عبد الباري عطوان

فسورية تعرضت للعديد من العمليات الارهابية قبل هذه، تمثل بعضها في اغتيالات لرؤوس كبيرة مثل الجنرال محمد سليمان، وعماد مغنية، وبعضها الآخر في غارات جوية، مثل قصف قاعدة عين الصاحب قرب دمشق، والمفاعل النووي المزعوم قرب دير الزور، ومع ذلك، لم تصدر ادانة واحدة لهذه الانتهاكات السافرة للسيادة والأمن السوريين.
من الصعب الجزم بهوية الجهة المسؤولة عن التفجير، لان الحكومة السورية المعنية بهذا الامر مقطرة في تصريحاتها، لدرجة ان المرء يشعر بالاشفاق الشديد على الزملاء السوريين الذين تستضيفهم الفضاءات العربية للتعليق والتحليل، فالجملة الوحيدة المكررة التي يرددها المسؤولون السوريون دائما، “ان التحقيقات تأخذ مجراها لمعرفة الجهة الارهابية المسؤولة”، وهناك تحقيقات في جرائم مماثلة مستمرة منذ عشرين عاما ولم تنته من مهمتها.
الامر الآخر الغريب واللافت للنظر، ان الجهات التي تفجر السيارات في سورية لا تصدر اي بيانات تدعي فيها مسؤوليتها، او تكشف عن هويتها، على عكس تفجيرات مماثلة تقع في دول اخرى، باستثناء لبنان، فالقاسم المشترك بين التفجيرات السورية واللبنانية هو “الغموض” حول هوية الجهة المنفذة. وازاء هذا الوضع الاستثنائي سيضطر الكاتب والمحلل مثلنا، الى الإكثار من كلمات مثل “قد”، و”ربما”، و”من غير المستبعد”، و”بعض”.
سورية ظلت، ولسنوات طويلة، محصنة من “داء الارهاب”، لانها اختارت الوقوف دائما في معسكر المتشددين، وفي مواجهة المشاريع الامريكية والاسرائيلية في المنطقة، الامر الذي اوقعها في موقف حرج بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، واقدام مصر السادات، شريكتها في جميع حروبها السابقة، على رفع راية الاستسلام، والخروج من جبهة المواجهة، وتوقيع “اتفاقات سلام” مع اسرائيل، مقتنعة بالنظرية التي تقول ان تسعة وتسعين في المئة من اوراق اللعبة هي في يد امريكا.
فعندما ضرب “الارهاب الاصولي الاخواني” سورية في مطلع الثمانينات من القرن الماضي سحقته قوات الامن السورية بوحشية وقسوة، وسط صمت عالمي ومباركة امريكية ـ عربية مشتركة، لان اتصالات كانت تجري في الخفاء للحصول على مقابل سوري يتمثل في ضبط الاوضاع في لبنان وانهاء ظاهرة المقاومة الفلسطينية “الغريبة” على ارضه، واعادته ولو مؤقتا، لبيت الطاعة الدولي.
الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد بلع الطعم الامريكي ـ العربي، وساهم بإخراج منظمة التحرير من لبنان، ولكنه استبدلها بمقاومة لا تقل صلابة وبأسا، ان لم تكن اكثر، اي المقاومة الاسلامية بزعامة “حزب الله” فجاءت النتائج كارثية على اسرائيل والولايات المتحدة وحلفائهما العرب مثلما نرى من خلال حالة السعار من هذه الاطراف ضدها.
الرئيس الأسد الأب ما كان يتصرف بهذه القوة ضد المقاومة الفلسطينية لو لم يكن رصيده كبيرا في الشارع العربي بفعل دخوله حرب اكتوبر، ورفضه اتفاقات كامب ديفيد، وقيادة جبهة الرفض العربية، لكن هذا الرصيد بدأ يتآكل بالنسبة الى ابنه الرئيس بشار، بفعل تغير المعادلات الاقليمية والدولية اولا، وبعض جوانب الارتباك في السياسات التي اتبعتها حكومته للخروج من حالة العزلة التي تعيشها، وكسر الطوق الامريكي ـ الاسرائيلي ـ العربي المحيط بها، ابرزها فتح فصل من المفاوضات السلمية مع اسرائيل، واغلاق الحدود في وجه المقاومة العراقية، والتعاون في المرحلة الاولى من الحرب ضد الارهاب، وتطبيع العلاقات مبكرا مع الحكومة العراقية المنبثقة عن الاحتلال.
هذه السياسات “التكتيكية” الرامية الى كسب الوقت، وكسر العزلة، نجحت في تحقيق معظم اهدافها، ولكنها ادت في الوقت نفسه الى ضرب “الحصانة الوطنية” السورية جزئيا على الاقل، من خلال تقليل التعاطف الشعبي، واعطاء ورقة قوية لأعداء سورية خاصة من السلفيين لتوجيه سهامهم، وربما سياراتهم المفخخة اليها.
مكمن الخطر في هذه السياسات انها بدأت تنتقل تدريجيا من كونها تكتيكية الى منهج استراتيجي، تحت مسميات “البراغماتية”، و”الواقعية”، وفهم المعادلات الدولية.
وينسى انصار هذا المعسكر داخل الحكم السوري، ان هذا النهج جاء متأخرا، وفي الوقت الخطأ، وفي ظل مرحلة تغي















حامد بن عبدالله العلي
حامد عبدالله العلي