الرئيس الجزائري لـ «العرب»:علاقاتنا الاقتصادية مع قطر لا ترقى للـــسياسية

2008-04-13
حاوره: ياسين بن لمنور
وصف الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الاستثمارات القطرية في الجزائر بالضعيفة ولا تعكس قوة نظيرتها السياسية.
وفي أول حوار له مع صحيفة قطرية منذ توليه مقاليد الحكم في 1999، قال الرئيس الجزائري لـ «العرب»، إن هناك حاجة ماسة إلى تفعيل ما سبق الاتفاق عليه في مجال الاستثمار والشراكة وتحريك اللجنة المشتركة التي لم تعقد سوى دورتين، كانت آخرهما في سنة 2002 بالجزائر.
وأكد بوتفليقة الذي يزور الدوحة منتصف الأسبوع المقبل، عمق العلاقات الجزائرية القطرية، مشيرا إلى تطابق مواقف البلدين، مبديا في نفس السياق اعتزازه بالتنسيق بين البلدين في اجتماعات أوبك.
هل لكم، أن تفيدونا بلمحة حول العلاقات الجزائرية القطرية والتنسيق الجزائري القطري في القضايا العربية والإسلامية والدولية؟
- العلاقات الجزائرية القطرية ممتازة ومتميزة على المستوى السياسي، إنها علاقات يطبعها الاحترام والتقدير، وتبادل الزيارات على أعلى المستويات، والبلدان يعملان سويا على دفعها قدما، وعلى تعميق التشاور والتنسيق بينهما حول كافة القضايا ذات الاهتمام المشترك.
أما عن علاقات التعاون الاقتصادي، فإنها لم ترق بعد إلى مستوى العلاقات السياسية.
ومن ثم، فهناك حاجة ماسة إلى تفعيل ما سبق وأن رسا الاتفاق عليه، خاصة في مجال الاستثمار والشراكة، وإلى تحريك اللجنة المشتركة التي لم تعقد سوى دورتين، كانت آخرهما في سنة 2002 بالجزائر.
أما فيما يخص القضايا العربية والإسلامية والدولية ذات الاهتمام المشترك، فيمكن القول إن هناك تطابقا في وجهات نظر البلدين حول أهمها. إن الجزائر لم يفتها التنويه في حينه بتلك الجهود الدبلوماسية التي بذلتها الشقيقة قطر في مجلس الأمن الأممي لما آلت إليها العضوية غير الدائمة سنتي 2006 ـ 2007.
فضلا عن ذلك، إنها حيّت الوساطات التي قامت بها قطر للمساعدة في فلسطين والعراق واليمن ولبنان.
وهي ما انفكت، من جانبها، تدعم كل الجهود الخيرة الرامية إلى إيجاد التوافقات اللازمة لحل هذه الأزمات.
وماذا عن الاستثمارات القطرية الجزائرية؟
- أول ما يقال عن الاستثمارات القطرية في الجزائر، هو إنها ضعيفة، ولا تتناسب ومستوى العلاقات المتميزة القائمة بين البلدين ولا الإمكانات المتاحة نظرا لما توفره الجزائر من فرص استثمارية في ميادين شتى ولقدرات رجال الأعمال القطريين من حيث امتلاكهم لرؤوس الأموال وتحكمهم في أساليب التسيير العصرية وما يتبعها من استعمال للتكنولوجيات الحديثة على أوسع نطاق.
وبلغة الأرقام، سجلنا في سنة 2006 مشروعا استثماريا بقيمة 186 مليون دولار يساهم فيه مستثمرون من دولة قطر الشقيقة، في مجال الخدمات، والأمر يتعلق بمجمع متعدد الخدمات يشمل مركزا للأعمال وشققا فندقية ومركزا تجاريا بضاحية باب الزوار بالجزائر العاصمة.
كما سجلنا سنة 2007 مشروعا بادر به الشيخ فيصل بقيمة 48 مليون دولار، يخص إنشاء مركز للأعمال بالحامة، بالعاصمة كذلك. وفي نفس السنة سجل مشروع آخر بقيمة 1.5 مليون دولار لتوسيع شبكة «ترست للتأمين».
كل هذه المشاريع على أهميتها، لا ترقى إلى الدرجة التي تتناسب مع جودة العلاقات السياسية بين البلدين ومع وفرة الإمكانات المتاحة لدى رجال الأعمال القطريين.
ما قولكم في التنسيق الجزائري القطري ضمن منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك»؟
انضمت قطر إلى هذه المنظمة «أوبك» سنة 1961، أي سنة بعد إنشائها، في حين التحاق الجزائر بها كان عام 1969.
إن إنتاج البلدين، مقارنة بإنتاج بقية أعضاء المنظمة، متواضع نسبيا، حيث إن الجزائر تنتج 1.4 مليون برميل يوميا، في حين يبلغ إنتاج قطر 0.8 مليون برميل. ومن حيث هما منتجان متوسطان تمكن البلدان من القيام بدور متميز ضمن منظمة أوبك في مجال الوساطة والبحث عن الحلول التوفيقية من أجل الحفاظ على انسجام المنظمة وفعاليتها. وقد تجلى ذلك في عدة مناسبات، وبخاصة أثناء الفترات الصعبة التي مرت بها أوبك.
والتنسيق هذا يبرز بصفة جلية عندما تتولى الجزائر أو قطر رئاسة المنظمة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، عندما اقترحت الجزائر في أكتوبر 2006 فكرة عقد دورة وزارية غير عادية للأوبك لمواجهة احتمالات انهيار الأسعار، استجابت قطر وساندت الاقتراح الجزائري، داعية المنظمة إلى عقد الاجتماع بالدوحة يوم 19 أكتوبر من نفس السنة.
إن الجزائر وقطر تجمعهما ميزة على قدر كبير من الأهمية في دينامكية أوبك تتمثل في كون البلدين من أكبر الدول المنتجة والمصدرة للغاز.
إن التنسيق القائم بينهما ضمن أوبك من أجل استقرار السوق البترولية تكون له أيضا انعكاسات إيجابية على صادراتهما من الغاز، طالما أن مستوى سعر الغاز في السوق الدولية مرتبط بسعر البترول، لذلك فإن التنسيق والتشاور بين البلدين في إطار منظمة أوبك يعود عليهما بالمنفعة على أكثر من صعيد.
إن العلاقات الممتازة بين البلدين، ضمن منظمة أوبك، أدت إلى توسيع فضاءات التشاور بينهما بحيث شمل منظمات بترولية وطاقوية ودولية عديدة من مثل المؤتمر العالمي للبترول الذي ستحتضن الدوحة اجتماعه القادم عام 2011، والمنتدى الدولي للطاقة الذي يتولى ترقية الحوار بين المنتجين والمستهلكين.
وبطبيعة الحال، فإن التشاور بين البلدين دائم ومميز على مستوى قائديهما، لا سيما خلال الاجتماعات الدورية لرؤساء دول منظمة أوبك.
نود الآن أن تحدثونا عن المشاريع الاقتصادية الكبرى التي أطلقتموها، ما تقييمكم لها؟
- الرد على سؤالكم يقتضي الانطلاق من البرنامج الخماسي 2005 ـ 2009 الذي يجري حاليا تنفيذه، بالموازاة مع البرنامجين المخصصين للجنوب وللهضاب العليا.
والغاية من الكل هي تطوير الهياكل القاعدية، الاقتصادية منها والاجتماعية، من أجل دعم النمو الاقتصادي في سائر أنحاء البلاد.
رُصد للبرامج العمومية المسجلة، في الفترة الخماسية، مخصص مالي يفوق اليوم 189 مليار دولار أميركي بسعره الحالي.
أما بقية المشاريع الاقتصادية الكبرى، إذا ما اعتمدنا مثلا مبلغ 150 مليون دولار كأدنى مقياس لكلفة المشروع الكبير، فيبلغ عددها اليوم 83 مشروعا، تمثل في جملتها %35 من مجموع رخص البرامج التي انطلقت في الفترة ما بين سنتي 2005 و2008 وتتوزع بين القطاعات بنسبة %43 للسكك الحديدية و%35 للطرقات و%15 لمشاريع الري الكبرى و%7 لغيرها من القطاعات.
وتجدر الإشارة إلى أن قائمة المشاريع الكبرى هذه لا تتضمن البرامج الهامة الجديدة للسكن (1255000 وحدة سكنية)، والتعليم العالي (520000 منصب بيداغوجي و374500 سرير لإيواء الطلبة والطالبات) والطاقة (تزويد 293721 مسكنا بالكهرباء و263994 مسكنا بالغاز الطبيعي) خلال الفترة الخماسية.
هناك من يعلل ضعف الاستثمارات العربية في الجزائر بوجود مشاكل تعترضها. ما قولكم؟
- إن الجزائر جاهزة للاستثمار ولديها إرادة صادقة للتطور والتقدم واستئناف ما تعطل خلال الأعوام الماضية لأسباب مختلفة، و الإرادة هذه قد أحدثت تغييرا جذريا في الذهنيات وفي التعامل مع المستثمرين وفي تهيئة الظروف والمناخ لقيام حركة استثمارية تساهم في التنمية الاقتصادية التي تسعى الجزائر لتحقيقها في غضون الأعوام القليلة المقبلة، من أجل ذلك بادرت الجزائر بإجراءات عاجلة دعمت من خلالها المد الإصلاحي الذي انطلق في مطلع التسعينات وأردفته بإصلاحات إضافية، لا سيما في مجال الإدارة والمال والاستثمار والعقار.
وشكل صدور العدة القانونية الجديدة الأرضية المثلى لتطوير حركة الاستثمار وإعطاء المزيد من الحوافز والتشجيعات وإزالة العوائق الإدارية التي تعترض المستثمر بصفة عامة والمستثمر العربي بصفة خاصة، بما في ذلك تلك المشاريع المتعلقة بالعقار، وتجدر ملاحظة أن طبيعة بعض المشاريع التي يبادر بها أشقاؤنا العرب تصب في خانة التطوير العقاري على مستوى الجزائر العاصمة وتطرح بعض المشاكل فيما يخص الرقع العقارية لإنجازها، وما عدا ذلك لا أعتقد أن المستثمرين العرب تواجههم عراقيل خاصة، وإن وجدت فنحن عازمون وماضون في القضاء عليها. إن الجزائر تفتح ذراعيها لهم وسيجدون فيها كل الدعم والتشجيع، وقد حان الوقت لإقامة مشاريع شراكة بيننا في أي مجال يرغبونه.
توفر الجزائر كما هائلا من فرص الاستثمار في قطاعات المال والبنى التحتية وفي الصناعة والسياحة، وقطاع الفلاحة وفي تقنيات الاتصالات والمعلوماتية، وفي مجالات الصيد البحري والسكن والعمران وغيرها من المجالات الحيوية التي تراهن عليها الجزائر وتعلق عليها آمالا عريضة.
على سبيل المثال، لا الحصر، هناك أشقاء وهم مشكورون يبادرون بالاستثمار، وفي عداد هؤلاء شركات إماراتية، لكن نلاحظ أن مصر أصبحت أول مستثمر عربي في الجزائر، وذلك في مجالات مختلفة من مثل الاتصالات والكوابل والحديد والصلب والإسمنت والأسمدة والمناجم والعمران وغير ذلك، مما يجعلنا نرتاح لهذه المبادرات أكثر من غيرها، ومما لا شك فيه أن الاستثمار هذا مجد ومربح للشركات المصرية ومفيد في نفس الوقت لتنمية الجزائر وتطويرها.
في الواقع، نحن لا نبحث عن استثمار يكتفي بحل بعض الإشكالات الاجتماعية لأجل مسمى، فالجزائر التي استعادت أمنها واستقرارها ومصداقيتها تطمح بالطبع إلى المزيد من التنمية والثورة في إطار ما نصبو إليه من خلق فضاءات اقتصادية جديرة بالتخفيف مما يهددنا من تبعية دائمة، ويحق لنا أن نتساءل إلى متى نبقى نعتمد على اقتصاد المحروقات الذي لا يتميز بالديمومة ولا بالاستمرار.
ما هي التوجهات التي تريدون إعطاءها للاقتصاد الجزائري في المرحلة المقبلة؟
- في الواقع، تهدف الإصلاحات الاقتصادية الجارية بالجزائر خاصة منذ نهاية التسعينات إلى بناء اقتصاد قوي لا يعتمد على البترول والغاز الطبيعي، اقتصاد قوي ذي تنافسية عالية، يمكن الجزائر من الاضطلاع بدور أساسي ومحوري على المستوى الجهوي أولا ثم القاري والدولي.
تسعى الجزائر، اليوم، لتطوير عدد من النشاطات الاقتصادية التي تتمتع فيها بتنافسية كبيرة، وهذا بانتهاجها الاستراتيجيات اللازمة في شتى فروع الفلاحة والصناعة والسياحة والخدمات.
هذا، ويفرض دخول اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي حيز التطبيق منذ أول سبتمبر 2005 وسعي بلادنا للانضمام لمنظمة التجارة العالمية اتخاذا التدابير الضرورية الكفيلة بتقوية القدرة التنافسية للمؤسسة الاقتصادية والمالية العاملة في الجزائر.
ما هي حصيلة سياسة المصالحة الوطنية في نظركم، على خليفة الوضع الأمني الراهن في الجزائر ومختلف التطورات التي عرفها؟
- بدأت الجزائر مشوار استكمال استعادة السلم والاستقرار بسياسة الوئام المدني التي توجت بمصالحة وطنية زكاها الشعب الجزائري عن بكرة أبيه، وهذا من أجل الحد من الأزمة الاجتماعية وإشاعة الطمأنينة في النفوس وفسح المجال أمام استئناف تنمية البلاد اقتصاديا واجتماعيا. وساهمت سياسة المصالحة التي اعتمدتها الدولة بنزاهة وإخلاص بقدر كبير، في إطفاء نار الفتنة داخل الشعب الواحد ورجوع العديد من الشباب المغرر بهم، بمن فيهم الذين كانوا رهن السجون ومن كانوا في حالة فرار من العدالة، إلى أهلهم وإعادة إدماجهم في أحضان المجتمع.
وساهمت المصالحة أيضا بمساعدة أسر الضحايا على التغلب على مخلفات المحنة، وأعني بالضحايا جميع الأموات والمفقودين والمعطوبين.
كما مكن نهج المصالحة من نزع الغطاء السياسي عن الكثير من الجماعات الإرهابية التي أضحت تنشط أساسا في حقل الإجرام واللصوصية أو تعاطي الاعتداءات ذات الصدى الإعلامي، بما آل إلى عزل هذه العصابات الضارة الآثمة، ونبذها من قبل الشعب بجميع فئاته.
ما هي أسباب عودة الاعتداءات الإرهابية إلى واجهة الراهن المعيش في الجزائر، وعلاقة ذلك بالجبهة الاجتماعية؟
- تقلص عدد الاعتداءات الإرهابية بالجزائر كثيرا كما تعلمون ومازالت المكافحة متواصلة على يد قوات الأمن طبقا للقانون، وبالمساعدة الفاعلة لفئات الشعب.
سينقرض الإرهاب في الجزائر طال الزمن أم قصر، ولا يصح ربطه بوضع الجبهة الاجتماعية التي لا تختلف كثيرا عما هو موجود في العديد من البلدان المتوسطية أو المجاورة، مع العلم أن المشاريع الاستثمارية الجاري حاليا تنفيذها بالجزائر كفيلة بتحسين الحياة اليومية للمواطن، ورفع قدرته الشرائية وفتح مناصب شغل للبطالين.
هل ستعدّلون الدستور الحالي وماذا عن الانتخابات الرئاسية في العام المقبل؟
- اعتمد الدستور الجاري به العمل عام 1989، وعُدل عام 1996. كل دستور قابل للتحسين من حيث مقاصده وأحكامه على ضوء ما يكون قد نجم عنه من صعوبات في سير الدولة وما يستجد من حاجة إلى توضيح العلاقة بين مؤسسات الدولة وبين هذه الأخي























