العراق بين الاختراق الاسرائيلي والنفوذ الإيراني
كتبهاعبد الرؤوف ، في 27 أبريل 2008 الساعة: 21:38 م

إسرائيل والعراق
"الحرب العراقية كانت نعمة بالنسبة لأمن اسرائيل … إن العراق بدون صدام حسين أفضل كثيرًا بالنسبة لأمن وسلامة اسرائيل وكل جيران اسرائيل"، كانت هذه كلمات إيهود اولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي في نوفمبر 2006، لتعبر أفضل تعبير عما يعنيه غزو العراق بالنسبة لإسرائيل، إذ تعد إسرائيل من بين أكثر الدول التي انتهزت احتلال العراق، بل وساهمت في الدفع نحو حدوث الغزو منذ البداية.
فلو عدنا إلى ما قبل احتلال العراق سنجد أن التخطيط منذ البداية لغزو العراق كان صهيونيًا، وهو ما أكده الكتاب الأمريكيون والإسرائيليون أنفسهم، فقد ذكر "توماس فريدمان" "أن الحرب علي العراق قامت بجهود اللوبي اليهودي وبالإمكان ذكر 25 فردًا من الذين خططوا كلهم من اليهود"، ونفس المعنى يؤكده "آري شافيت" في هاآرتس حيث يقول "إن قرار الحرب على العراق صادر عن 25 من مفكري المحافظين الجدد ومعظمهم من اليهود ومن ضمنهم ريتشارد بيرل وولفويتز"، كما يقول الجنرال الاحتياطي شولمو برون "إن إسرائيل عززت في قناعة الأمريكيين والبريطانيين بأن أسلحة الدمار الشامل موجودة في العراق".
ومنذ يوليو 2003، وهناك تقارير تؤكد أن الاختراق الإسرائيلي للعراق اقتصادياً قد بدأت عجلته في الدوران، وهو ما تجلى في عدة مجالات منها زيادة الصادرات الإسرائيلية إلى العراق وشراء الأراضي والسيطرة على القطاع المصرفي والبنوك وأخيرًا السيطرة على مناطق النفط.
وقد أوردت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية أسماء نحو 100 شركة صناعية إسرائيلية تقوم بتزويد المستوردين في العراق بمنتجاتها، وفصلت الصحيفة بشكل ملفت كل ما يتعلق بتلك المنتجات، من حيث نوعيتها وأسماء بعض المسؤولين عن هذه الشركات، وبحسب المعلومات التي تتداولها أجهزة رسمية عربية، فإن الشركات الإسرائيلية تصدر بضائعها إلى العراق، بعد إعادة تغليفها لتزور مصدر تلك البضائع وتنسبه إلى دول أخرى.
ومن جهة أخرى، فقد واصل اليهود شراء الأراضي والعقارات والشركات والمبان التجارية بمبالغ أكبر من قيمتها الحقيقية، وحسب صحيفة ( جمهوريت) التركية التي نشرت تقريرًا بتاريخ 18/11/2004 فإن النشاطات والفعاليات الإسرائيلية مستمرة في شمال العراق منذ عام 1993، بهدف تأمين خط أنابيب بترول من شمال العراق إلى حيفا في إسرائيل، وتشغيله بأسرع وقت ممكن لزيادة قدراتها الاقتصادية، ولهذا السبب قامت إسرائيل بشراء أراض في مدينة كركوك بمساحة ستة آلاف دونم، إضافة لشراء خمسمائة منزل في مدينة الموصل، وألفي دونم وثلاثين مبنى في أربيل.
واعتبرت الصحيفة التي نشرت تقريرها في صدر صفحتها الأولى إن ذلك بمثابة غزو ثان للعراق، وهو الأمر الذي كانت له تداعياته الملحوظة على العلاقات الإسرائيلية ـ التركية في ظل الحساسية المعروفة لأنقرة تجاه أي حدث يمس الأكراد في شمال العراق.
وبالتوازي مع التغلغل الاقتصادي، فقد تحرك جهاز الموساد الإسرائيلي مستفيداً من الإمكانات الهائلة التي توفرها له القوات الأمريكية، فأكدت التقارير الواردة أن إسرائيل تقوم بتدريب بعض ميليشيات الأحزاب العراقية ومنها الكردية بشكل فعلي في كردستان، وأن جهاز الموساد ركب محطات تقنية متطورة في أكثر من منطقة في العراق، ومن بينها محطة في منطقة "حاجي عمران" (منطقة جبال شاهقة قرب الحدود) وتوفر هذه المحطة إمكانية استكشاف ومتابعة ورصد الحركة في جزء كبير من الأراضي الإيرانية أيضًا.
أما مجلة "نيويوركر" فقد كشفت عن أن بعض عملاء إسرائيل تسللوا بالفعل من العراق إلى محيط منشآت نووية في إيران، وأضافت المجلة أن عملاء إسرائيليين، بينهم أعضاء في الموساد يقدمون أنفسهم على أنهم رجال أعمال يقومون بتدريب فرق كوماندوز في كردستان العراق شمال البلاد.
وأثنت تقارير إسرائيلية على نجاح حكومتهم في زرع "أكبر وأهم مركز للموساد" في المنطقة العربية، وذلك في منطقة يطلق عليها "مزرعة ساويتا" شمال العراق على الحدود السورية والمتاخمة للجنوب التركي، وأوضحت تلك التقارير أن المركز يضم عناصر هامة في جهاز الموساد تقوم بمهام أمنية ومعلوماتية، تتمثل في رصد التطورات السياسية والأمنية في العراق، والتحقيق مع العناصر العراقية التي تعتقلها القوات الأمريكية، وتقديم الدعم اللوجستي لأمريكا، ورصد ومراقبة سوريا، وحماية الاستثمارات الإسرائيلية في العراق، والتمهيد السياسي والأمني لفرض الحماية الإسرائيلية على المنطقة الكردية في شمال العراق لتكريس مبدأ الانفصال.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ ذكرت الضابطة الأمريكية المسئولة السابقة عن سجن أبو غريب عن التقائها بمحققين إسرائيليين شاركوا في عمليات الاستجواب والتعذيب ضد المعتقلين العراقيين، وأكد عدد من المعتقلين العراقيين الذين أُطلق سراحهم بعد فضيحة سجن أبو غريب أنهم خضعوا للتحقيق أمام رجال الموساد الإسرائيلي، حيث استطاع المعتقلون أن يتعرفوا على هويات المحققين من خلال نوعية الأسئلة، واستفساراتهم عن مناطق وأماكن عراقية كانت تضم معالم يهودية وأثرية مقدسة، كما ذكر شهود عيان وجود عدد كبير من الموساد الإسرائيلي في سجن تكريت يتحدثون اللغة العبرية فيما بينهم.
الأهداف الإسرائيلية
قال مسؤولون إسرائيليون قبل احتلال العراق وتحديدًا في يونيو 2002 "إن إسقاط نظام صدام حسين يُعتبر واحدًا من أهم الإنجازات الإستراتيجية التي من الممكن أن تحققها واشنطن لحساب تل أبيب بشكل غير مباشر، مؤكدين على أن إسقاط صدام هو إجراء رادع لا مثيل له؛ لأنه يثبت لقادة الأنظمة العربية والإسلامية أنه ليس من الحكمة تحدي الغرب وإسرائيل"، وبمرور الوقت تبين أن هذا الهدف لم يكن هو الهدف الوحيد بالطبع لإسرائيل ولكن كان لديها أهداف أخرى, يمكن الإشارة إلى بعضها فيما يلي:
* وفق الأدبيات التوراتية والتنظيرات والفتاوى الدينية التي يطلقها كبار الحاخامات اليهود، فإن "أرض إسرائيل الكاملة" تمتد من "النيل إلى الفرات"، ووفق تلك الأدبيات فإن العراق جزء من "أرض إسرائيل الكاملة", و"على إسرائيل أن تقوم بالاحتلال الأعظم من أجل أرض إسرائيل الكاملة" و"أن تقوم بتنظيف المنطقة من ملايين العرب"، أو على الأقل إضعاف الدول العربية وتفكيكها وتجريدها من مقومات القوة, وتحويلها إلى دويلات صغيرة عاجزة.
* يعد التغلغل الإسرائيلي في العراق أفضل نقطة ارتكاز لابتزاز المنطقة بأسرها ووضع 3 دول رئيسية من دول المنطقة تحت ضغوطه وهي : إيران وسوريا وتركيا، وهي النقطة التي اتضحت في عرضنا لمدى الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي للمناطق الحدودية العراقية وإقامتها أكثر من محطة للتجسس.
* خلق المناخ المواتي لتصفية المقاومة الفلسطينية: إذ يؤكد العديد من المحللين السياسيين أن الهدف الإسرائيلي الأول من الاحتلال الأمريكي للعراق يتمثل في الارتكاز إليه من أجل خلق المناخ المواتي لخنق الانتفاضة وتصفية المقاومة الفلسطينية ومحاصرة سوريا ولبنان وفرض الاستسلام عليهما، ومن ثم إيجاد شرق أوسط جديد خال من التهديدات العسكرية لإسرائيل .
* إعادة رسم خارطة المنطقة: تؤكد جميع تصريحات أركان القيادة الأمريكية، أن الحرب على العراق ستؤدي إلى إعادة رسم خارطة المنطقة، وأن العراق كان ولا يزال على قمة الأجندة السياسية والعسكرية العدوانية الأمريكية ـ الإسرائيلية المشتركة، وأن تفكيك وتدجين العراق وتدمير مقومات نهوضه ووحدته وقوته من جديد هي المهمة الأولى والكبرى، والمحطة الأولى على طريق تحقيق مشروع "إعادة تشكيل الشرق الأوسط"، ويشير الكثير من المراقبين إلى أن إسرائيل ستتنفس الصعداء بعد أن يقسم العراق، وتصبح أكثر قدرة على تحقيق حلمها بإقامة إسرائيل الكبرى من النيل للفرات.
* التطبيع: يمثل التطبيع مع الحكومة الجديدة في العراق باعتباره بلدًا عربيًا وإسلاميًا له تاريخه وحضارته وموقعه نصرًا لإسرائيل، وقد نُسب إلى السفير العراقي "صلاح الشيخلي" قوله إن هناك رغبة لدى عدد من رجال السياسة والأعمال العراقيين في إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وأكبر مثال على ذلك زيارة أحد قيادي الحزب الوطني العراقي إلى إسرائيل، والذي لم يكتف بالزيارة لكنه هدد بالكشف عن تفاصيل الملف السري للشخصيات العراقية التي تتعامل مع إسرائيل في الخفاء.
* مشاريع الشرق أوسطية: لا يمكن فصل الاختراق الإسرائيلي عن المخططات التي حاكتها تل أبيب للمنطقة حتى قبل مرحلة سقوط نظام بغداد، وهو الأمر الذي يتجلى في كتابات "شيمون بيريز" عن الشرق أوسطية، وعن الهيمنة الاقتصادية الإسرائيلية على دول المنطقة، وتحويلها إلى دول استهلاكية محدودة التأثير، كما أن احتلال العراق يشكل فرصة ذهبية لانتشال الاقتصاد الإسرائيلي من أزماته المتكررة، فالعراق يشكّل سوقاً كبيرة ويحتاج إلى إعمار وهو ما يوفر لـ "إسرائيل" إمكانية الاستفادة من عقود الإعمار وفي الوقت ذاته تصدير منتجاتها المكدّسة ومعالجة أزمة البطالة المتزايدة.
* للنفط أهمية خاصة لدى إسرائيل، خاصةً إذا علمنا أن الإسرائيليين يستهلكون حوالي 250 ألف برميل نفط يوميًا يبلغ ثمنها 6.25 ملايين دولار، ويستوردون سنويًا 12 مليون طن، وكان هذا الهدف ضمن أهداف الإسرائيليين الدائمة في فترات الحرب والسلم مع الدول العربية؛ ففي الستينيات كانت الاحتياجات النفطية تمثل 12% من واردات إسرائيل، وقد استطاعت الأخيرة حل مشكلتها عن طريق احتلال سيناء عام 1967، وضمنت بذلك تغطية نفطية كاملة، وصلت إلى درجة أنها صدّرت بعضًا من كمياته التي فاضت عن حاجاتها.
وفي ظل الاحتلال الأمريكي للعراق؛ فإن الفرصة أضحت مواتية لإعادة تشغيل خط "الموصل حيفا"؛ وذلك لتوفير الكميات التي تحتاجها إسرائيل وبأسعار رخيصة؛ على اعتبار أن هذا الخط من الممكن أن يخفض أسعار الوقود بنحو 25%، ومن شأنه أن يحول حيفا إلى "روتردام الشرق الأوسط"، على حد تعبير وزير البنية التحتية الإسرائيلي.
* الحصول على المياه: يمثل العراق بنهريه فرصة ذهبية لإسرائيل، في ظل الأزمة الطاحنة التي يواجهها الكيان الإسرائيلي في المياه، وفي ظل تأكيد الكثيرين أن حروب هذا القرن ستكون بسبب المياه.
* اليهود العراقيين والتعويضات: سربت أوساط عراقية، نص رسالة بعث بها أمين عام الحزب الشيوعي العراقي إلى وزارة الهجرة العراقية في حكومة "إياد علاوي" المؤقتة، مرفقًا مع رسالته قوائم بأسماء اليهود ومواليدهم، والأماكن التي كانوا مسجلين فيها، ويشدد المحللون السياسيون على أن الهدف الأساسي لهذا الطلب ليس عودة اليهود ولكن تثبيت حقهم في العراق، خصوصًا إذا علمنا أن معظم الذين وردت أسماؤهم ماتوا بالفعل، ومن جهة أخرى فإن هذا الأمر قد يكون بمثابة مقدمة للمطالبة بتعويضات كبيرة عن أملاك يهود العراق الذين هجروا إسرائيل منذ مطلع الخمسينيات.
التغلغل الإيراني
أصبحت قضية التغلغل الإيراني في العراق قضية معقدة وشائكة، إذ انتشرت عناصر استخباراتية داخل المجتمع ومؤسساته المختلفة سواء كانت دينية أو اقتصادية أو ثقافية أو اجتماعية أو حتى داخل أجهزة الدولة والوزارات والمؤسسات السياسية والعسكرية، وتحولت أسماء المحلات في كربلاء والنجف إلى أسماء إيرانية.
وهكذا امتد النفوذ الإيراني إلى الأعمال التجارية والشركات كواجهات، ناهيك عن اختراق المجموعات الدينية والتنظيمات غير الحكومية والمدارس والجامعات، كما امتد ذلك النفوذ إلى محطات التلفزة والإذاعة والهلال الأحمر العراقي الذي تردد أنه ينسق مع نظيره الإيراني من خلال الحرس الثوري الإيراني.
ويعد المفكر الاقتصادي العراقي الكربلائي الأصل "كاظم حبيب"، من أبرز من تناولوا قضية التغلغل الإيراني في جنوب العراق وخاصةً محافظة البصرة على نحو مفصل مدعم بالمعلومات والبراهين حيث رصد خطين متوازيين ومنفصلين تسلكهما المخابرات الإيرانية، الأول: يتم من خلال شبكة علاقاتها ونفوذها لدى حلفائها من القوى السياسية الشيعية وبعلمها وعبر التعاون الوثيق معها.
والثاني: يجرى بصورة سرية مهنية سياسية منظمة مخططة مدروسة ولا يعلم به حلفاؤها من القوى الشيعية، حيث يتم زرع عناصر سرية عراقية حتى داخل أحزاب تلك القوى الحليفة نفسها، وعلى حسب ما ذكر كاظم حبيب، فإن الطابق الثالث من مبنى المحافظة موظف بالكامل في خدمة جهاز الاستخبارات الإيراني.
وتتعاون إيران مع العديد من الجهات والقوى السياسية الدينية الشيعية وإن كان ذلك يتم بدرجات تعاون متفاوتة تبعًا لقوة علاقتها بتلك القوة أو ذاك، ومن هذه القوى المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وحزب الدعوة ومجموعاته المنشقة، ومجموعة مقتدى الصدر وجيش المهدي، ومع ذلك فإن ثمة تناقضات بين هذه القوى وبين إيران بدرجات متباينة.
ويؤكد العديد من الخبراء أن طرق وقنوات تغلغل النفوذ الإيراني في العراق لا تقتصر على شبكة أتباعها من الأحزاب الدينية الشيعية فحسب أو من مؤيديها ي المؤسسات الدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بل ثمة فئتان اجتماعيتان يمثلان رافدين مهمين لتعزيز هذا النفوذ بكل أشكاله ويساهمان في زرع العناصر الاستخباراتية بكل سهولة.
الفئة الأولى: وهي تتشكل من عدد غير قليل من العراقيين من أصول إيرانية والذين تم تهجيرهم قسرًا من قبل "صدام حسين" إلى إيران جنبًا الى جنب مع عدد كبير من العائلات الشيعية العربية المتهمة بالأصول الفارسية تحت مبرر افتقادها للهوية العثمانية التي كانت شرطًا لاكتساب الجنسية العراقية حينذاك، فتلك المجاميع المهجرة من أصول إيرانية عادت وهي محملة بالأسى والمرار لما جرى لها من مآس تهجيرية وقمعية في عهد صدام.
الفئة الثانية: وهي تتكون من السياح الإيرانيين الدينيين أو زوار العتبات المقدسة وخاصة في كربلاء والنجف، إذ يأتي هؤلاء أفواجًا ولاسيما في مواسم "التحاريم" والمناسبات الدينية في ظل عزوف شبه كامل للسياح الشيعة من المناطق الأخرى من العالم نظرًا للظروف الأمنية الخطرة الراهنة، ويؤكد بعض المحللين أن هذه الفئة تضم غالبية تحركها نوازع إيمانية دينية للزيارات لا خلاف عليها إلا أن عددًا غير قليل منهم وبتشجيع من السلطات الإيرانية المختصة يحمل أغراضًا ومهام سياسية إلى جانب دوافعه الدينية.
وتخشى الولايات المتحدة مع نهاية الاحتلال الأمريكي للعراق أن تتحرك إيران كلاعب أساسي في البلاد بعد أن ظلت تقيم في هدوء شبكات مؤيدة لها من السياسيين ورجال الدين العراقيين، وقد ظل المسؤولون الأمريكيون يشاهدون خلال الشهور الماضية مئات الكوادر الإيرانية وملايين الدولارات وهي تدخل العراق لبناء علاقات كانت مستحيلة تحت حكم "صدام حسين"، ولم يقف الأمر عند ذلك، فقد أصبحت إيران منافسة لأمريكا في مجال إعادة الإعمار وخاصة في جنوب العراق حيث الأغلبية الشيعية.
أهداف التغلغل الإيراني
لاشك أن إيران لها العديد من الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها من وراء توطيد نفوذها في العراق، ويحلو للبعض أن يفسر ذلك بمبرر أن إيران هي الأم الراعية لكل الشيعة وخصوصًا الإثني عشرية في كل مكان، ويؤكد آخرون أن الهدف هو السيطرة على إقليم الجنوب الشيعي ليكون تحت إمرة إيران سياسيًا وإداريًا كخطوة نحو حلم فارسي أكبر، فلطالما كانت حكومات إيران ترى في دول الخليج العربي امتدادًا لأرض الإمبراطورية الفارسية القديمة، وليس من المستغرب أن تسعى إيران على الأقل لأن تكون القوة الإقليمية الأقوى في المنطقة، وليست هذه المرة الأولى التي تسعى إيران إلى إعطاء هوية شيعية ذات مرجعية إيرانية للعرب الشيعة في العراق، الأمر الذي يثير مخاوف من حصول مد شيعي في دول الجوار.
ومن ضمن الأهداف التي يوردها الخبراء أيضًا هو السعي لاستغلال الأوضاع الكارثية في العراق لتعزيز النفوذ الإيراني هناك لتصفية حسابات طهران مع واشنطن في حالة حدوث تصادم على حساب الشعب العراقي، وبمعنى أوضح نقل المعركة بينها وبين واشنطن إلى العراق وإفشال التجربة الأمريكية في إحلال الديمقراطية فيه.
ويرى العديد من الخبراء، وفي مقدمتهم الكاتب رضى السماك أن مسألة التغلغل الإيراني في العراق مسألة ترتبط بالنمط العالمي لفكر وثقافة الدولة الشمولية أو شبه الشمولية التي تستقطب وتحظى شعاراتها الثورية وأيديولوجيتها بامتدادات خارجية لدى مجاميع من الشعوب في هذه الدولة أو تلك، فهذه المجاميع بما فيها القوى والأحزاب التي تسيرها أو تؤثر فيها ترهن مشيئتها الكاملة للنموذج الملهم لهذه الأفكار وتدافع عنه باستماتة دفاعًا أعمى بلا حدود، وهنا تصبح هذه المجاميع والقوى والأحزاب المغرمة بالنموذج هي عمليًا "طابور خامس طوعي مجاني" للدفاع عن سياسات ومصالح النموذج الملهم كما تصبح هذه المجاميع بكل قواها وأحزابها ومؤسساتها أسهل وأفضل وسيلة لأشكال من تغلغل الدولة النموذج الملهم في شئون هذا البلد بما في ذلك دس رجال استخباراتها بطرق شتى، وفي الحالة العراقية، فإن جزءًا كبيرًا من أشكال التغلغل الإيراني المتزايد اليوم في العراق إنما يتم عبر شبكة أحزاب وقوى عراقية مغرمة بنموذج الدولة الشيعية القدوة في طهران.
وعلى خلاف ذلك، يرى البعض أن الهدف من التغلغل الإيراني هو الخوف وليس طموحات التوسع أو الانتقام، ويؤكد هؤلاء أن إيران متوجسة من فيدرالية توسع الحكم الذاتي للأكراد، الأمر الذي يحفز أكراد إيران لمطالبة العالم بالمثل، كما أنها متوجسة من جماعات مثل القاعدة بأيدولوجيتها المعادية للشيعة، وأخيرًا فإنها تتوجس من حرب أهلية تضطرها للتورط لدعم الشيعة، والدخول في مواجهة أوسع مع أطراف عربية ودولية.
العراق بين الاختراق الاسرائيلي والنفوذ الإيراني
يحتل العراق في الذاكرة العربية الإسلامية موقعًا خاصًا، ويمتلك من الثروات الكثير والكثير، ويكفي أنه جمع بين ثروة المياه ممثلة في نهرى دجلة والفرات وبين بحار النفط التي يسبح فوقها، ومع احتلال العراق في مارس 2003 كان ذلك الاحتلال الضوء الأخضر للكثير من القوى الدولية والاقليمية لكي تتغلغل في العراق كل لتحقيق مصالحه الخاصة، فمنهم من يبحث عن النفط ومنهم من يبحث عن الاستثمار وفرص اعادة الاعمار ومنهم من يبحث عن النفوذ والهيمنة ومنهم من له أهدافه الدينية والتاريخية التي ما كان سيستطيع تحقيقها لو لم يتحقق الاحتلال وتنهار الدولة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : اخبار عربية | السمات:اخبار عربية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























