الرئيس «بوتفليقة» يخص صحيفة «العرب» القطرية بحوار مطوّل..
كتبهاعبد الرؤوف ، في 13 أبريل 2008 الساعة: 21:03 م
الرئيس الجزائري لـ «العرب»:علاقاتنا الاقتصادية مع قطر لا ترقى للـــسياسية

2008-04-13
حاوره: ياسين بن لمنور
وصف الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الاستثمارات القطرية في الجزائر بالضعيفة ولا تعكس قوة نظيرتها السياسية.
وفي أول حوار له مع صحيفة قطرية منذ توليه مقاليد الحكم في 1999، قال الرئيس الجزائري لـ «العرب»، إن هناك حاجة ماسة إلى تفعيل ما سبق الاتفاق عليه في مجال الاستثمار والشراكة وتحريك اللجنة المشتركة التي لم تعقد سوى دورتين، كانت آخرهما في سنة 2002 بالجزائر.
وأكد بوتفليقة الذي يزور الدوحة منتصف الأسبوع المقبل، عمق العلاقات الجزائرية القطرية، مشيرا إلى تطابق مواقف البلدين، مبديا في نفس السياق اعتزازه بالتنسيق بين البلدين في اجتماعات أوبك.
هل لكم، أن تفيدونا بلمحة حول العلاقات الجزائرية القطرية والتنسيق الجزائري القطري في القضايا العربية والإسلامية والدولية؟
- العلاقات الجزائرية القطرية ممتازة ومتميزة على المستوى السياسي، إنها علاقات يطبعها الاحترام والتقدير، وتبادل الزيارات على أعلى المستويات، والبلدان يعملان سويا على دفعها قدما، وعلى تعميق التشاور والتنسيق بينهما حول كافة القضايا ذات الاهتمام المشترك.
أما عن علاقات التعاون الاقتصادي، فإنها لم ترق بعد إلى مستوى العلاقات السياسية.
ومن ثم، فهناك حاجة ماسة إلى تفعيل ما سبق وأن رسا الاتفاق عليه، خاصة في مجال الاستثمار والشراكة، وإلى تحريك اللجنة المشتركة التي لم تعقد سوى دورتين، كانت آخرهما في سنة 2002 بالجزائر.
أما فيما يخص القضايا العربية والإسلامية والدولية ذات الاهتمام المشترك، فيمكن القول إن هناك تطابقا في وجهات نظر البلدين حول أهمها. إن الجزائر لم يفتها التنويه في حينه بتلك الجهود الدبلوماسية التي بذلتها الشقيقة قطر في مجلس الأمن الأممي لما آلت إليها العضوية غير الدائمة سنتي 2006 ـ 2007.
فضلا عن ذلك، إنها حيّت الوساطات التي قامت بها قطر للمساعدة في فلسطين والعراق واليمن ولبنان.
وهي ما انفكت، من جانبها، تدعم كل الجهود الخيرة الرامية إلى إيجاد التوافقات اللازمة لحل هذه الأزمات.
وماذا عن الاستثمارات القطرية الجزائرية؟
- أول ما يقال عن الاستثمارات القطرية في الجزائر، هو إنها ضعيفة، ولا تتناسب ومستوى العلاقات المتميزة القائمة بين البلدين ولا الإمكانات المتاحة نظرا لما توفره الجزائر من فرص استثمارية في ميادين شتى ولقدرات رجال الأعمال القطريين من حيث امتلاكهم لرؤوس الأموال وتحكمهم في أساليب التسيير العصرية وما يتبعها من استعمال للتكنولوجيات الحديثة على أوسع نطاق.
وبلغة الأرقام، سجلنا في سنة 2006 مشروعا استثماريا بقيمة 186 مليون دولار يساهم فيه مستثمرون من دولة قطر الشقيقة، في مجال الخدمات، والأمر يتعلق بمجمع متعدد الخدمات يشمل مركزا للأعمال وشققا فندقية ومركزا تجاريا بضاحية باب الزوار بالجزائر العاصمة.
كما سجلنا سنة 2007 مشروعا بادر به الشيخ فيصل بقيمة 48 مليون دولار، يخص إنشاء مركز للأعمال بالحامة، بالعاصمة كذلك. وفي نفس السنة سجل مشروع آخر بقيمة 1.5 مليون دولار لتوسيع شبكة «ترست للتأمين».
كل هذه المشاريع على أهميتها، لا ترقى إلى الدرجة التي تتناسب مع جودة العلاقات السياسية بين البلدين ومع وفرة الإمكانات المتاحة لدى رجال الأعمال القطريين.
ما قولكم في التنسيق الجزائري القطري ضمن منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك»؟
انضمت قطر إلى هذه المنظمة «أوبك» سنة 1961، أي سنة بعد إنشائها، في حين التحاق الجزائر بها كان عام 1969.
إن إنتاج البلدين، مقارنة بإنتاج بقية أعضاء المنظمة، متواضع نسبيا، حيث إن الجزائر تنتج 1.4 مليون برميل يوميا، في حين يبلغ إنتاج قطر 0.8 مليون برميل. ومن حيث هما منتجان متوسطان تمكن البلدان من القيام بدور متميز ضمن منظمة أوبك في مجال الوساطة والبحث عن الحلول التوفيقية من أجل الحفاظ على انسجام المنظمة وفعاليتها. وقد تجلى ذلك في عدة مناسبات، وبخاصة أثناء الفترات الصعبة التي مرت بها أوبك.
والتنسيق هذا يبرز بصفة جلية عندما تتولى الجزائر أو قطر رئاسة المنظمة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، عندما اقترحت الجزائر في أكتوبر 2006 فكرة عقد دورة وزارية غير عادية للأوبك لمواجهة احتمالات انهيار الأسعار، استجابت قطر وساندت الاقتراح الجزائري، داعية المنظمة إلى عقد الاجتماع بالدوحة يوم 19 أكتوبر من نفس السنة.
إن الجزائر وقطر تجمعهما ميزة على قدر كبير من الأهمية في دينامكية أوبك تتمثل في كون البلدين من أكبر الدول المنتجة والمصدرة للغاز.
إن التنسيق القائم بينهما ضمن أوبك من أجل استقرار السوق البترولية تكون له أيضا انعكاسات إيجابية على صادراتهما من الغاز، طالما أن مستوى سعر الغاز في السوق الدولية مرتبط بسعر البترول، لذلك فإن التنسيق والتشاور بين البلدين في إطار منظمة أوبك يعود عليهما بالمنفعة على أكثر من صعيد.
إن العلاقات الممتازة بين البلدين، ضمن منظمة أوبك، أدت إلى توسيع فضاءات التشاور بينهما بحيث شمل منظمات بترولية وطاقوية ودولية عديدة من مثل المؤتمر العالمي للبترول الذي ستحتضن الدوحة اجتماعه القادم عام 2011، والمنتدى الدولي للطاقة الذي يتولى ترقية الحوار بين المنتجين والمستهلكين.
وبطبيعة الحال، فإن التشاور بين البلدين دائم ومميز على مستوى قائديهما، لا سيما خلال الاجتماعات الدورية لرؤساء دول منظمة أوبك.
نود الآن أن تحدثونا عن المشاريع الاقتصادية الكبرى التي أطلقتموها، ما تقييمكم لها؟
- الرد على سؤالكم يقتضي الانطلاق من البرنامج الخماسي 2005 ـ 2009 الذي يجري حاليا تنفيذه، بالموازاة مع البرنامجين المخصصين للجنوب وللهضاب العليا.
والغاية من الكل هي تطوير الهياكل القاعدية، الاقتصادية منها والاجتماعية، من أجل دعم النمو الاقتصادي في سائر أنحاء البلاد.
رُصد للبرامج العمومية المسجلة، في الفترة الخماسية، مخصص مالي يفوق اليوم 189 مليار دولار أميركي بسعره الحالي.
أما بقية المشاريع الاقتصادية الكبرى، إذا ما اعتمدنا مثلا مبلغ 150 مليون دولار كأدنى مقياس لكلفة المشروع الكبير، فيبلغ عددها اليوم 83 مشروعا، تمثل في جملتها %35 من مجموع رخص البرامج التي انطلقت في الفترة ما بين سنتي 2005 و2008 وتتوزع بين القطاعات بنسبة %43 للسكك الحديدية و%35 للطرقات و%15 لمشاريع الري الكبرى و%7 لغيرها من القطاعات.
وتجدر الإشارة إلى أن قائمة المشاريع الكبرى هذه لا تتضمن البرامج الهامة الجديدة للسكن (1255000 وحدة سكنية)، والتعليم العالي (520000 منصب بيداغوجي و374500 سرير لإيواء الطلبة والطالبات) والطاقة (تزويد 293721 مسكنا بالكهرباء و263994 مسكنا بالغاز الطبيعي) خلال الفترة الخماسية.
هناك من يعلل ضعف الاستثمارات العربية في الجزائر بوجود مشاكل تعترضها. ما قولكم؟
- إن الجزائر جاهزة للاستثمار ولديها إرادة صادقة للتطور والتقدم واستئناف ما تعطل خلال الأعوام الماضية لأسباب مختلفة، و الإرادة هذه قد أحدثت تغييرا جذريا في الذهنيات وفي التعامل مع المستثمرين وفي تهيئة الظروف والمناخ لقيام حركة استثمارية تساهم في التنمية الاقتصادية التي تسعى الجزائر لتحقيقها في غضون الأعوام القليلة المقبلة، من أجل ذلك بادرت الجزائر بإجراءات عاجلة دعمت من خلالها المد الإصلاحي الذي انطلق في مطلع التسعينات وأردفته بإصلاحات إضافية، لا سيما في مجال الإدارة والمال والاستثمار والعقار.
وشكل صدور العدة القانونية الجديدة الأرضية المثلى لتطوير حركة الاستثمار وإعطاء المزيد من الحوافز والتشجيعات وإزالة العوائق الإدارية التي تعترض المستثمر بصفة عامة والمستثمر العربي بصفة خاصة، بما في ذلك تلك المشاريع المتعلقة بالعقار، وتجدر ملاحظة أن طبيعة بعض المشاريع التي يبادر بها أشقاؤنا العرب تصب في خانة التطوير العقاري على مستوى الجزائر العاصمة وتطرح بعض المشاكل فيما يخص الرقع العقارية لإنجازها، وما عدا ذلك لا أعتقد أن المستثمرين العرب تواجههم عراقيل خاصة، وإن وجدت فنحن عازمون وماضون في القضاء عليها. إن الجزائر تفتح ذراعيها لهم وسيجدون فيها كل الدعم والتشجيع، وقد حان الوقت لإقامة مشاريع شراكة بيننا في أي مجال يرغبونه.
توفر الجزائر كما هائلا من فرص الاستثمار في قطاعات المال والبنى التحتية وفي الصناعة والسياحة، وقطاع الفلاحة وفي تقنيات الاتصالات والمعلوماتية، وفي مجالات الصيد البحري والسكن والعمران وغيرها من المجالات الحيوية التي تراهن عليها الجزائر وتعلق عليها آمالا عريضة.
على سبيل المثال، لا الحصر، هناك أشقاء وهم مشكورون يبادرون بالاستثمار، وفي عداد هؤلاء شركات إماراتية، لكن نلاحظ أن مصر أصبحت أول مستثمر عربي في الجزائر، وذلك في مجالات مختلفة من مثل الاتصالات والكوابل والحديد والصلب والإسمنت والأسمدة والمناجم والعمران وغير ذلك، مما يجعلنا نرتاح لهذه المبادرات أكثر من غيرها، ومما لا شك فيه أن الاستثمار هذا مجد ومربح للشركات المصرية ومفيد في نفس الوقت لتنمية الجزائر وتطويرها.
في الواقع، نحن لا نبحث عن استثمار يكتفي بحل بعض الإشكالات الاجتماعية لأجل مسمى، فالجزائر التي استعادت أمنها واستقرارها ومصداقيتها تطمح بالطبع إلى المزيد من التنمية والثورة في إطار ما نصبو إليه من خلق فضاءات اقتصادية جديرة بالتخفيف مما يهددنا من تبعية دائمة، ويحق لنا أن نتساءل إلى متى نبقى نعتمد على اقتصاد المحروقات الذي لا يتميز بالديمومة ولا بالاستمرار.
ما هي التوجهات التي تريدون إعطاءها للاقتصاد الجزائري في المرحلة المقبلة؟
- في الواقع، تهدف الإصلاحات الاقتصادية الجارية بالجزائر خاصة منذ نهاية التسعينات إلى بناء اقتصاد قوي لا يعتمد على البترول والغاز الطبيعي، اقتصاد قوي ذي تنافسية عالية، يمكن الجزائر من الاضطلاع بدور أساسي ومحوري على المستوى الجهوي أولا ثم القاري والدولي.
تسعى الجزائر، اليوم، لتطوير عدد من النشاطات الاقتصادية التي تتمتع فيها بتنافسية كبيرة، وهذا بانتهاجها الاستراتيجيات اللازمة في شتى فروع الفلاحة والصناعة والسياحة والخدمات.
هذا، ويفرض دخول اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي حيز التطبيق منذ أول سبتمبر 2005 وسعي بلادنا للانضمام لمنظمة التجارة العالمية اتخاذا التدابير الضرورية الكفيلة بتقوية القدرة التنافسية للمؤسسة الاقتصادية والمالية العاملة في الجزائر.
ما هي حصيلة سياسة المصالحة الوطنية في نظركم، على خليفة الوضع الأمني الراهن في الجزائر ومختلف التطورات التي عرفها؟
- بدأت الجزائر مشوار استكمال استعادة السلم والاستقرار بسياسة الوئام المدني التي توجت بمصالحة وطنية زكاها الشعب الجزائري عن بكرة أبيه، وهذا من أجل الحد من الأزمة الاجتماعية وإشاعة الطمأنينة في النفوس وفسح المجال أمام استئناف تنمية البلاد اقتصاديا واجتماعيا. وساهمت سياسة المصالحة التي اعتمدتها الدولة بنزاهة وإخلاص بقدر كبير، في إطفاء نار الفتنة داخل الشعب الواحد ورجوع العديد من الشباب المغرر بهم، بمن فيهم الذين كانوا رهن السجون ومن كانوا في حالة فرار من العدالة، إلى أهلهم وإعادة إدماجهم في أحضان المجتمع.
وساهمت المصالحة أيضا بمساعدة أسر الضحايا على التغلب على مخلفات المحنة، وأعني بالضحايا جميع الأموات والمفقودين والمعطوبين.
كما مكن نهج المصالحة من نزع الغطاء السياسي عن الكثير من الجماعات الإرهابية التي أضحت تنشط أساسا في حقل الإجرام واللصوصية أو تعاطي الاعتداءات ذات الصدى الإعلامي، بما آل إلى عزل هذه العصابات الضارة الآثمة، ونبذها من قبل الشعب بجميع فئاته.
ما هي أسباب عودة الاعتداءات الإرهابية إلى واجهة الراهن المعيش في الجزائر، وعلاقة ذلك بالجبهة الاجتماعية؟
- تقلص عدد الاعتداءات الإرهابية بالجزائر كثيرا كما تعلمون ومازالت المكافحة متواصلة على يد قوات الأمن طبقا للقانون، وبالمساعدة الفاعلة لفئات الشعب.
سينقرض الإرهاب في الجزائر طال الزمن أم قصر، ولا يصح ربطه بوضع الجبهة الاجتماعية التي لا تختلف كثيرا عما هو موجود في العديد من البلدان المتوسطية أو المجاورة، مع العلم أن المشاريع الاستثمارية الجاري حاليا تنفيذها بالجزائر كفيلة بتحسين الحياة اليومية للمواطن، ورفع قدرته الشرائية وفتح مناصب شغل للبطالين.
هل ستعدّلون الدستور الحالي وماذا عن الانتخابات الرئاسية في العام المقبل؟
- اعتمد الدستور الجاري به العمل عام 1989، وعُدل عام 1996. كل دستور قابل للتحسين من حيث مقاصده وأحكامه على ضوء ما يكون قد نجم عنه من صعوبات في سير الدولة وما يستجد من حاجة إلى توضيح العلاقة بين مؤسسات الدولة وبين هذه الأخيرة.
أما فيما يتعلق بالانتخابات الرئاسية المقبلة، فسوف تتم في موعدها الدستوري بحول الله وسنتخذ التدابير الضرورية لإنجاحها وتمكين المواطن الجزائري من ممارسة حقه في اختيار رئيسه عن قناعة وبكل سيادة وحرية.
ماذا يمكن قوله الآن عن وضع العلاقات المغاربية؟
- تربط الجزائر بدول المغرب العربي علاقات تاريخية وثقافية وإستراتيجية مبنية على الأخوة وحسن الجوار والتضامن والتعاون والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.إننا سعينا على الدوام من أجل أن تكون هذه العلاقات متميزة، من حيث إننا نعد هذه الدول امتدادا طبيعيا لتلك الأواصر التي رصت صف شعوبنا طيلة كفاحها المشترك ضد الاستعمار، وانعكاسا للمقومات المتجانسة التي ينبني عليها كيان شعوب المغرب العربي وتجسيدا لمصيرها المشترك.
هناك سنة قوامها الحوار والتشاور السياسي بين قادة الدول المغاربية حول القضايا الإقليمية والدولية تترجم إرادتهم المشتركة في إقامة جو من الثقة والاستقرار، وهذا ما تعكسه معاهدات الأخوة وحسن الجوار المبرمة بين الجزائر وهذه الدول والتي تدعمها آليات التعاون والتبادل في شتى المجالات كالطاقة والموارد المائية والفلاحة والموارد البشرية.
في هذا الإطار، شهدت علاقات الجزائر مع كل من تونس وليبيا وموريتانيا تطورا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، تجسد من خلال الاجتماعات الدورية التي عقدتها اللجان القطاعية للتعاون الثنائي والزيارات المتبادلة بين كبار المسؤولين والخبراء في مختلف القطاعات.
أما المغرب الشقيق، فإن العلاقات رهينة جمود وليست لنا القدرة على تحريكها من جانب واحد. وفي هذا السياق، ما انفكت الجزائر تبدي استعداداها، صادقة مخلصة لتطوير علاقات التعاون بين البلدين، مع ترك معالجة مسألة تقرير مصير الصحراء الغربية لمنظمة الأمم المتحدة المسؤولة عن إيجاد حل عادل ومنصف لها.أما اتحاد المغرب العربي، الذي تعلق شعوب المنطقة آمالها وطموحاتها عليه، فإنه لم يتمكن من تحقيق أهدافه، خاصة فيما يتعلق بالاندماج والشراكة الاقتصادية حيث إن المبادلات التجارية بين بلدانه لم تتعد %2 من حجم تجارتها الخارجية، مما لا يتناسب مع الرهانات والتحديات التي ستواجهها هذه البلدان مستقبلا بفعل ضغوط العولمة المتسارعة ومقتضياتها.
من هذا الباب، يتعين على دول الاتحاد أن تبادر إلى الاندماج، بوضع إستراتيجية مشتركة، للتنمية المستدامة وبإنشاء سوق مشتركة، ومنطقة للتبادل الحر، ومنطقة جمركية بنظام مالي متناسق. إن الأهداف هذه هي بالذات الأهداف التي تم تحديدها خلال قمة رؤساء دول الاتحاد المغاربي المنعقدة بليبيا سنة 1992. إن مستقبل الاتحاد يبقى مرهونا بمدى اقتناع أعضائه بحتمية إرساء تعاون واندماج كلي وشامل يُعوّل على إثماره بالخير العميم.
بحكم أنكم أحد الزعماء الأفارقة الذين تصوروا وبادروا إلى الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا «نيباد» نود أن تقيموا لنا الأشواط التي قطعها هذا المسار الذي انتهجته القارة الإفريقية منضوية تحت لواء الاتحاد الإفريقي.
تقوم النيباد على مبادئ أساسها الحكم الراشد واضطلاع الأفارقة بالمسؤولية عن أنفسهم بأنفسهم، والاستخدام الأمثل لموارد القارة وترقية الاندماج الجهوي والقاري، ويتم تنفيذ هذا البرنامج بالتنسيق بين الاتحاد الإفريقي والمنظمات الجهوية ذات العلاقة، مما أمكن إفريقيا من التموقع على الساحة الدولية واكتساب صفة الشريك على تحقيق التنمية وعلى الاستغلال الأمثل لإمكانياته.
ومن باعث التزامها، قامت بلادي بتقديم مساهمتها على مستوى الهيئات الإفريقية والدولية للتعريف بالنيباد وتنفيذها، كما قامت بواجبها نحو الآلية الإفريقية للتقويم من طرف النظراء بتقديم تقاريرها في الآجال المحددة.
وبعد ست سنوات من انطلاق النيباد، تم تحقيق عدة إنجازات في ميادين السلم والأمن، والحكم الراشد، والهياكل القاعدية، وتكنولوجيات الإعلام والاتصال، والفلاحة، والعلوم والتكنولوجيا، والصحة، والتربية.
أما بالنسبة لآفاق النيباد، فيمكن القول إن إفريقيا تعلق آمالا كبيرة عليها وهو ما أشارت إليه قمة التفكير للجنة تنفيذ المبادرة، التي انعقدت بالجزائر في السنة الماضية، حيث قيمت النيباد وسمحت بتحديد مختلف العراقيل التي تواجه تطبيقها.
وسمحت هذه القمة كذلك بإعادة تنظيم العلاقة الهيكلية والوظيفية بين النيباد ومؤسساتها من جهة ولجنة الاتحاد الإفريقي ووسائلها من جهة أخرى مع إلغاء أوجه التعارض بينهما واسترجاع النيباد لوظيفتها كبرنامج لتنمية إفريقيا. وقد صادقت قمة الاتحاد بأديس أبابا في مطلع فبراير 2008، على قرارات قمة التفكير للجنة التنفيذ المذكورة المنعقدة بعاصمة الجزائر. وستعقد بحول الله في داكار يومي 15 و16 أبريل الجاري قمة مصغرة لتدقيق ما تم عليه الاتفاق في هذا الشأن بالجزائر وأديس أبابا على حد سواء.
ما هو موقف الجزائر مما يحدث في لبنان والعراق وفلسطين ومشاريع السلام المطروحة على المنطقة؟
- تتابع الجزائر باهتمام بالغ تطورات الأحداث في لبنان بالنظر للمكانة الخاصة التي يتبوأها البلد الشقيق -العضو المؤسس للجامعة العربية- لدينا والتي هي مصداق لعمق الروابط المتجذرة بين الشعبين الجزائري واللبناني.
إن الجزائر لم تتوان قط في السعي مع الإخوة في لبنان في إطار الجامعة العربية، لإيجاد مخرج يحظى بقبول جميع الأطراف ويضع حدا لشغور مؤسسة الرئاسة منذ نوفمبر الماضي. وما انفكت تدعو إلى ضرورة العودة إلى الحوار باعتباره السبيل الأمثل لحل المسائل العالقة.
وفي ظل الجهود العربية المتواصلة لتسوية المشكلة اللبنانية، ترأست الجزائر اجتماع مجلس الجامعة العربية المنعقد بالقاهرة يومي 5 و 6 يناير 2008، حيث أثمرت الجهود عن تبني مبادرة تقضي بانتخاب قائد الجيش اللبناني ميشيل سليمان رئيسا للجمهورية، ثم تشكيل الحكومة وتعديل قانون الانتخاب.
لقد تم الاتفاق على أن تسند إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية مواصلة الجهود في إطار تطبيق الحل العربي المقترح بما يكفل إيجاد الصيغ التوافقية بين الأطراف والحفاظ على مصالح الجميع.
أما بخصوص العراق، فقد اتسم موقف الجزائر، قبل الاحتلال وبعده، بالتوازن والعقلانية، آخذا بعين الاعتبار مصلحة الشعب العراقي والمنطقة عموما، من خلال تأكيد احترام الشرعية الدولية، ورفض استعمال القوة كأسلوب لحل الخلافات بين العراق والدول الغربية، وهذا النهج تبين صوابه ومصداقيته بالنظر إلى ما آلت إليه الأوضاع في هذا البلد الشقيق.
وفي إطار العمل العربي المشترك، طالبت الجزائر بجدولة انسحاب القوات المتعدّدة الجنسيات.
ودعت في أكثر من مناسبة إلى احترام حرمة ووحدة العراق الترابية واستقلاله وسيادته. كما أكدت على الدوام حرصها على ضرورة مواصلة الحوار بين كافة الفرقاء السياسيين، والجزائر تدعم أية إجراءات تدخل في إطار المصالحة الوطنية العراقية.
ليست لنا سياسة إقليمية تخرج عن نطاق السياسة العربية المتبعة في إطار الجامعة العربية، لقد ساهمنا في كل مبادرات الجامعة، ونبقى على هذا الحال إلى أن يرأب الصدع وترجع المياه إلى مجاريها في العراق الشقيق.
وأما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فإن الجزائر تقف على الدوام إلى جانب الشعب الفلسطيني، للمطالبة باسترجاع حقوقه المشروعة، طبقا للشرعية الدولية ومؤتمر مدريد للسلام والمبادرة العربية التي أقرتها قمة بيروت سنة 2002 وأكدتها قمة الرياض سنة 2006، وكذلك ما اتفق عليه في صنعاء، وتطالب الجزائر المجتمع الدولي وكافة الأطراف العربية والإقليمية المعنية بالصراع الفلسطيني- الإسرائيلي بالعمل على الرفع الفوري للحصار المفروض على الشعب الفلسطيني في كافة المناطق.
كما تدعو الجزائر الفرقاء الفلسطينيين إلى إيجاد حلول للخلافات الفلسطينية-الفلسطينية وتحقيق توافق حول أرضية مشتركة بين الفصائل، خاصة حركتي فتح وحماس.
وتؤكد الجزائر على ضرورة إذعان إسرائيل لواجب إبداء نيتها الصادقة في تحقيق السلام والعيش في أمان مع جيرانها في المنطقة، والجنوح إلى الموافقة على قرارات الأمم المتحدة ومبادرة السلام العربية كخطوة أولى وضرورية تهيئ الأجواء لاستئناف عملية السلام في المنطقة بكافة مساراتها.
ولما كنا حديثي العهد بعقد الدورة العادية الـ20 لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة، بدمشق، فإنه لا يفوتني أن أجدّد الشكر للإخوة الأعزاء في سوريا، قيادة وشعبا، على الجهود المضنية التي بذلوها من أجل إنجاح أعمال قمتنا التي كانت بحق قمة موفقة.
أجل، لقد كانت قمة موفقة بالنظر للظروف التي انعقدت فيها، وكانت موفقة نظرا لحجم التحديات والمخاطر والتهديدات التي نواجهها.
وكانت أيضا موفقة، وأستطيع أن أقول هذا، من حيث إنها تطرقت لموضوع ما فتئ يطرح نفسه علينا بحدّة، ألا وهو موضوع العلاقات البينية العربية وسبل إزالة ما عكّر صفوها من مشاكل واختلافات.
إنه بحق، موضوع الساعة الذي لا يحتمل التأجيل ولا التريث فيه، في ظل الظروف الحساسة التي نمر بها. فنحن اليوم، في هذا الظرف العصيب بحاجة ماسة وحيوية إلى المصارحة والمكاشفة وفتح قلوبنا لبعضنا البعض لنطرح، بكل صدق وود وأخوة، ولنصفي، في جو من الثقة والصفاء، المآخذ التي شابت علاقتنا، ونهتدي لأقوم السبل والوسائل لتفعيل تضامننا وعملنا المشترك، في سبيل الرقي بشعوبنا نحو غد أفضل، إن شاء الله تعالى.
لقد كرسنا، في إطار جامعة الدول العربية، طوال تاريخ العمل العربي المشترك، رصيدا من النصوص والآليات والتجارب الكفيلة التي تتيح لنا طرح كل قضايانا واحتواء مشاكلنا وإيجاد العلاج المناسب لعلاقاتنا المضطربة، في إطار من الحوار الراشد والعقلاني، وبما يسهم في تفادي تطور هذه السلبيات إلى ما لا تحمد عقباه.
لنفسح المجال، إذن، لعملنا العربي المشترك، وللاهتمام بقضايا أمتنا المصيرية في جميع مناحي الحياة السياسة والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وفي هذا السبيل أناشد مخلصا كافة إخواني القادة العرب، داعيا إياهم إلى التمسك بالتضامن العربي وبجامعتنا العربية واستلهام هذه الروح الإيجابية الفعالة التي أسستها قمة دمشق، من أجل تطوير قراراتها ومن أجل بناء عزة أمتنا ومنعتها.
لننتقل إلى ضفة المتوسط، كيف تنظرون إلى تطور العلاقات مع فرنسا؟ وما هو الموقف الفرنسي من الاتحاد المتوسطي الذي يبشر به الرئيس ساركوزي؟
لقد سمح تبادل الزيارات بين الجزائر وفرنسا على مستوى الرئيسين، بين سنتي 2000 و2003، بإعادة تأسيس الحوار السياسي والتعاون الثنائي بين البلدين، حيث توج هذا الانتعاش بالتوقيع على إعلان الجزائر بتاريخ 2 مارس 2003، مجسدا بطريقة رسمية التزام البلدين بإقامة شراكة مثالية. وتم تأكيد الالتزام خلال تبادل الرسائل مع الرئيس ساركوزي بتاريخي 28 و30 مايو 2007.
في المجالات الاقتصادية والتجارية، شهدت العلاقات تطورا ملحوظا خاصة على مستوى المبادلات التجارية التي بلغ حجمها 8.9 مليار دولار سنة 2006، و9 مليار دولار سنة 2007. كما بلغ حجم الاستثمارات الفرنسية في الجزائر، حسب الوكالة الوطنية الجزائرية لتطوير الاستثمار، في الفترة ما بين 2002 و2007 نحو 650 مليون دولار، والمبلغ هذا يشمل 135 مشروعا استثماريا.
لا بد أن نأخذ بعين الاعتبار أن العلاقات الجزائرية الفرنسية تمليها عوامل معقدة وأبسطها التاريخ والجغرافيا، فهي مهمة وستبقى في كل الحالات.
وبحكم انتمائها إلى الفضاء المتوسطي، وبفعل العلاقات الكثيفة التي تربطها بدول الفضاء، تهتم الجزائر بكل ما يمت بصلة إلى هذه المنطقة التي تعرف تجاذبات سياسية واقتصادية وبشرية بالغة الأهمية. وستعمل دائما على دعم كل ما من شأنه أن يترجم إرادة صادقة ومشتركة للمضي قدما في ترسيخ وتقوية التعاون الناجع والشراكة التي تعود بالمنفعة الفعلية على بلدان ضفتي البحر الأبيض المتوسط وشعوبها. ومن هذا المنطلق، فإن الجزائر تدرس باهتمام كبير كل جوانب مبادرة الرئيس الفرنسي وما يقترح لها من محتويات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : لقاء خاص | السمات:لقاء خاص
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























