لحظات حرجة يعيشها الاقتصاد الأمريكي

كتبهاعبد الرؤوف ، في 7 أبريل 2008 الساعة: 19:41 م

لحظات حرجة يعيشها الاقتصاد الأمريكي

شهد العالم منذ عام 1971 ما يقرب من 24 أزمة اقتصادية بمعدل أزمة كل سنة ونصف، وقد اختلفت تأثيراتها وحدتها على الاقتصاد العالمي. ولكن الأزمة الاقتصادية التي تشهدها الولايات المتحدة في الوقت الراهن تُشكل تهديداً لباقي الدول التي تدور في فلك الاقتصاد الأمريكي، أو بعبارة أخرى المرتبطة بواشنطن اقتصادياً. فالولايات المتحدة الأمريكية تُشكل قطباً اقتصادياً رئيسياً في العالم، فهي شريك تجاري مهم لمعظم الدول المتقدمة وتلك الصاعدة اقتصادياً، لاسيما النفطية منها. وتُشابه الأزمة الحالية إلى حد بعيد أزمة الكساد العالمي الكبير التي واجهت العالم عام 1929. وتأتي الأزمة الاقتصادية الأمريكية في وقت يعاني فيه الاقتصاد العالمي من أزمة اقتصادية طاحنة، سواء من ناحية الاقتصاد النقدي، حيث الأزمة المالية التي تواجه أسواق المال والبنوك والوسطاء الماليين، أو من ناحية الاقتصاد الحقيقي حيث أزمة ارتفاع أسعار السلع والخدمات وأسعار النفط على مستوى العالم، الأمر الذي جعل كثيراً من الاقتصاديين يفكرون في هوية العولمة، وما إذا عادت بالمكاسب على العالم أجمع أم أن ضررها قد فاق مكاسبها. وقد بدأت شرارة الأزمة الحالية في الولايات المتحدة بأزمة الرهن العقاري، التي أدت إلى حالة من الركود في القطاع العقاري، وتعثر البنوك وحدوث أزمات في البورصات الأمريكية، والتي انتقلت إلى نظيرتها الأوروبية، مروراً بالآسيوية ووصولاً إلى العربية والناشئة. وتُعد الأزمة المالية الراهنة في العالم هي الأسوأ منذ أزمة الكساد الكبير التي اجتاحت العالم عام 1929 -حسب آراء الاقتصاديين الأمريكيين-، ويأتي ذلك في الوقت الذي وصلت فيه معدلات النمو الأمريكي لأدنى مستوياتها على الإطلاق، فقد توقعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بتوقف نموّ الاقتصاد الأمريكي في الربع الثاني من العام الحالي إلى مستوى صفر. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة حالياً يتبلور في: لماذا تأثرت الاقتصاديات العالمية بأزمة الاقتصاد الأمريكي؟، ولماذا هبت كل الجهات لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي؟.

أزمة على مستويات عديدة

ارتبط النمو الاقتصادي المالي الأمريكي بالنمو الحقيقي حتى عام 2001، حيث كان الاقتصاد الحقيقي ينمو بخطى ثابتة، لكن لم يكن شيء من هذا القبيل في الاقتصاد المالي الذي كان ينمو بشكل أسرع إلى أن تعرض للانفجار، حيث أن التوسع المالي الكبير يعود في جزء منه إلى النشاط الاقتصادي (الاقتصاد الحقيقي)، إلا أن جزءاً لا يُستهان به يعود إلى تطوير الأدوات الائتمانية المدفوعة بالوكلاء والبنوك والسماسرة، والتي يُقصد بها "صناديق الاحتياط"، وشركات الأسهم الخاصة، والديون الكبيرة والأدوات الاستثمارية والقروض غير المأمونة؛ حيث خرجت ضوابط الاقتراض عن المنطق، سواء الاقتراض من الشركات أو الأفراد، وصار بإمكان أي شخص أو بنك توفير التأمينات بغض النظر عن جدوى الاقتراض أو إمكانية سداد القرض، ممّا أدى إلى تقليل واضح بشأن المخاطر وتدفق نقدي كبير وارتفاع كبير في حجم المديونيات وعجز كبير في تسديد القروض غير المأمونة بداية من عام 2007.
وكان من شأن هذا أن حدث انهيار كبير في الكثير من المؤسسات المالية، وخسائر كبيرة في البنوك الأمريكية، ومنها إلى البنوك والمؤسسات المالية العالمية، فضلاً عن تعرّض أسواق المال العالمية لانخفاضات حادة بعد الهبوط الكبير في أسواق المال الأمريكية. وفي الوقت الذي أعلن فيه وزير الخزانة الأمريكي «هنري نيلسون» أن خسائر الاقتصاد الأمريكي من أزمة الرهن العقاري تتجاوز 400 مليار دولار، تضع تقديرات مصرفية أخرى خسائر الولايات المتحدة من أزمة الرهن العقاري عند 1 تريليون دولار.
وتزامن مع أزمة الرهن العقاري انخفاض حاد لسعر صرف الدولار، حيث تعرّض الورقة الأمريكية الخضراء منذ مطلع عام 2002 لانخفاضات عديدة وصلت إلى أدنى مستوياتها مقابل العملات الرئيسية، وذلك لتداعيات مشكلات أسواق الائتمان على الاقتصاد الأمريكي، فقد سجل الأورو عدة مستويات قياسية مقابل الدولار ليصل إلى مستوى 1.59 دولاراً لأول مرّة في تاريخه الذي بدأ بإطلاق العملة الأوروبية الموحدة عام 1999. وفي الوقت ذاته، انخفض الدولار في مقابل الين الياباني ليصل لأقل من 100 ين ياباني مقابل الدولار محققاً هبوطاً قياسياً. كما انخفض الدولار إلى أدنى مستوياته أمام الجنيه الإسترليني والفرنك الفرنسي والفرنك السويسري، مسجلا مستوى قياسياً وهو 72.7 أمام سلة من 6 عملات رئيسية، وهو أضعف مستوى يسجّله الدولار منذ أن أُنشئ هذا المؤشر عام 1973.
ودفع هبوط الدولار إلى مستويات قياسية أسعار النفط إلى الارتفاع ليتجاوز حدود 111 دولار للبرميل، مما أدى لارتفاع كبير في فاتورة واشنطن من الواردات النفطية، وارتفاع أسعار السلع الأخرى، وكذلك في ظل توقعات بتدهور الاقتصاد العالمي وانخفاض كبير في قيمة الصادرات وليس في حجم الصادرات نتيجة مباشرة لانخفاض قيمه الدولار، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع حجم العجز التجاري الأمريكي، حيث قدّر مكتب الميزانية التابع للكونغرس العجز في الميزانية الأمريكية بمبلغ 396 مليار دولار في السنة المالية التي تنتهي يوم 30 سبتمبر المقبل، نظراً لارتفاع النفقات دون موارد لتغطيتها في العام الماضي وتباطؤ نمو الإيرادات. وأكد الكونغرس في تقرير شهري ارتفاع العجز في الميزانية الأمريكية إلى 262 مليار دولار في الشهور الخمسة الأولى من السنة المالية الجارية بزيادة بلغت 100 مليار دولار مقارنة بالمدة المقابلة من السنة المالية الماضية.

انعكاسات عالمية للأزمة الأمريكية..

كان للأزمة الاقتصادية في الولايات المتحدة الأمريكية كبير الأثر على الاقتصاد العالمي، وذلك لما يمثله الاقتصاد الأمريكي من ثقل وتأثير، إذا أنه الاقتصاد الأكبر في العالم بحجم يبلغ 14 تريليون دولار. وتُشكل تجارة الولايات المتحدة الأمريكية نسبه 10 بالمائة من إجمالي التجارة العالمية، فضلاً عن أن السوق المالية الأمريكية سوق قيادية للأسواق المالية العالمية، فعندما تهتز تبدأ الأسواق العالمية بالاهتزاز في أوروبا وآسيا، وقد تكررت هذه الحالة أكثر من مرة.
ومن الناحية الاستثمارية، فإن الولايات المتحدة هي الجاذب الأول للاستثمارات في العالم، فقد توصلت إحدى الدراسات إلى أن الولايات المتحدة تستأثر وحدها بنحو 70 بالمائة من الأموال العربية المستثمرة في الخارج، والبقية موزعة بين الأسواق الأخرى. وجرى العرف لدى البنوك المركزية في أغلب دول العالم على الاحتفاظ بجزء من احتياطاتها النقدية في صورة سندات بالخزانة الأمريكية لأنها أكثر القنوات الاستثمارية أماناً في العالم. ومع الانخفاض المتوالي لسعر صرف الدولار فقدت هذه الاحتياطيات جزءاً من قيمتها، وهربت الاستثمارات إلى مجالات أخرى أكثر استقرارا وربحيه، مثل الاستثمار في الذهب، الأمر الذي أدى لارتفاع أسعار الذهب لأسعار قياسيه تزيد عن 1000 دولار للأوقية، أو الاستثمار في أسهم شركات البترول نتيجة لارتفاع أسعاره وربحيته، وهو ما أدى إلى زيادة المضاربات في أسواق المال، وخصوصاً في شركات البترول؛ والذي أفرز بدوره ارتفاع أسعار البترول كنتيجة مباشره للمضاربات، وليس لزيادة الطلب العالمي عليه.
الأمر الأكثر تأثيراً في الاقتصاد العالمي هو سعر صرف الدولار الأمريكي، حيث تسيطر الورقة الخضراء على ثلثي احتياطيات النقد الأجنبي في العالم، و80 بالمائة من مبادلات سعر الصرف الأجنبي، كما يتمّ دفع أكثر من 50 بالمائة من صادرات العالم بالدولار. وفي الجملة، يصل حجم التداول بالدولار حول العالم حوالي 3 تريليونات دولار. وأيّ تحرك لسعر صرف الدولار يُؤثر على أسعار السلع والخدمات في العالم كله، ومن ثم فاتورة الصادرات والواردات والاستثمار لكل دولة.

فشل جديد لإدارة «بوش»..

من جانب آخر، اتخذت صحيفة «نيويورك تايمز» موقفا هجوميا من خطة الإصلاح المالي التي أعلنت عنها إدارة «بوش» لمعالجة الأزمة الاقتصادية الأمريكية واعتبرتها نوعا من الاستعراض الإعلامي نتيجة لفشلها في إدارة الأزمة الطاحنة التي يمر بها أقوى اقتصاد في العالم دون القيام بشيء جوهري يساعد على حل هذه الأزمة. وأشار التقرير الذي أعده الكاتب «بول كروغمان» إلى أن المشاكل المالية التي عايشها النظام المالي في الولايات المتحدة على مدار الشهور السبعة الماضية تؤكد أن النظام المالي الأمريكي فى حاجة ماسة إلى إصلاحات جوهرية. وأكد «كروغمان» أن إدارة «بوش» منذ توليها الحكم فى الولايات المتحدة وهي تراقب القطاع المالي حاولت قدر الإمكان أن تخلق قطاعا مصرفيا تنافسيا يقود الاقتصاد العالمي، لذلك أعطت هذا القطاع حرية كبيرة فى العمل، مما أثّر كثيرا على القدرة الرقابية للحكومة الفيدرالية. وأدى ذلك إلى العديد من المشكلات التي ظهرت مؤخرا. وبالتالي، فقد دفعت هذه التطورات الإدارة الأمريكية إلى تقديم خطة إعادة هيكلة القطاع المالي التي تم الإعلان عنها مؤخرا لمعالجة المشاكل التي تمخّضت عن سياساتها على مدار الأعوام الماضية من حكمها، والتي أفضت إلى تحرير القطاع المالي تماما وغياب العديد من الآليات الرقابية. لذلك، أشار «كروغمان» إلى أنه كان لزاما على الإدارة أن توسّع من السلطات الرقابية والتنظيمية للوكالات الفيدرالية، والذي يمثل تراجعا عن إيديولوجية وأفكار السوق الحر الذي يؤمن بها الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة، وبات واضحا أن الإدارة الأمريكية قد وقعت فى خطأ كبير، ولكنها ترفض الاعتراف به، الأمر الذي جعل «كروغمان» يؤكد أن إدارة «بوش» لم ولن تعترف بمثل هذا الخطأ الفادح الذي ارتكبته. ولفت التقرير الانتباه إلى أن الإدارة الأمريكية لم تتعلم شيئا من الأزمة الحالية، وأنها فقط أعلنت عن الخطة من أجل أن تظهر أمام الرأي العام بمظهر الذي يسعى بشتى الطرق لمواجهة الآثار السلبية لهذه الأزمة.

إعادة الهيكلة تثير ردود فعل متضاربة

اهتمت صحفية «واشنطن بوست» بردود الفعل إلى أثارتها الخطة التي قدمها وزير المالية الأمريكي، وأشار تقرير أعده «ديفيد تشو» وآخرون للصحيفة إلى أن الكثير من جماعات حماية المستهلك والديمقراطيين انتقدوا الخطة بشدة، على أساس أنها تحمى فقط احتياجات ومصالح الأسواق المالية، وليس المستهلك الأمريكي. هذا، ولفت التقرير الانتباه إلى أنه ليس فقط المستهلكين الأمريكيين هم الذين لديهم هواجس وقلق من هذه الخطة، بل إن هذه الخطة سوف تسحب العديد من الصلاحيات من بعض الوكالات الفيدرالية لصالح وكالات أخرى، بينما سيتم إلغاء بعض الوكالات أو دمجها فى كيانات جديدة، الأمر الذي خلق تخوّفا وهواجس لدى العديد من المسؤولين والموظفين داخل هذه الوكالات على مستقبلهم الوظيفي، حيث أن هذه الخطة بما تحتويه سوف تلغى العديد من المواقع الوظيفة داخل هذه الوكالات الفيدرالية. ومن هنا، أكد «تشو» أن هذا الخطة كبيرة أكثر من اللازم، ممّا قد يؤثر كثيرا على فرص نجاحها فى التطبيق الواقعي، لأنها تقوم على عمل العديد من التغيرات الجذرية التي لا يمكن تطبيقها هكذا بين يوم وليلة فى مؤسسات نشأت منذ أكثر من نصف قرن، ويصعب عليها أن تتقبل وتتعاطى مع هذه التغيرات بسهولة. ورفضت العديد من جماعات المصالح والضغط «اللوبيهات» الخطة لأنها سوف تقضى الامتيازات التي كان يتيحها لهم النظام المصرفي القديم الذي تستهدف الخطة إحلاله بنظام آخر جديد، في حين امتدح البعض هذه الخطة على أساس أنها توضح وتحدد الدور الرقابي للحكومة الأمريكية على الأسواق المالية فى الولايات المتحدة، على اعتبار أن خطة الإصلاح هذه ستعمل على إعادة النظر فى الطريقة التي تراقب بها الحكومة الأمريكية العمل داخل بورصة «ووال ستريت»، من خلال اقترح إنشاء عدد من الأجهزة التنظيمية الجديدة، إحداها سوف يشرف على عمل البنوك، والأخرى بمثابة آلية تنظيمية سوف تشرف على حماية المستهلكين الأمريكيين.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : اقتصاد | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “لحظات حرجة يعيشها الاقتصاد الأمريكي”

  1. نعم كل قوة ذاهبة للضعف وستكون سقطتهم قوية باذن الله

    الى الجحيم أمريكا واقتصادها



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر