مفارقات في دهاليز دمشق

كتبهاعبد الرؤوف ، في 31 مارس 2008 الساعة: 19:13 م

مفارقات في دهاليز دمشق
عبد الباري عطوان
31/03/2008
اختتمت القمة العربية اعمالها يوم امس بصدور اعلان دمشق الذي تحدث عن عدة قضايا، ابرزها تعزيز التضامن العربي والتمسك بالسلام كخيار استراتيجي، والتأكيد علي وحدة واستقلال العراق، ولكن ما هو اهم من ذلك ان هذه القمة انعقدت رغم كل الجهود لإفشالها، بمشاركة احد عشر زعيما عربيا.
التأكيد علي السلام كخيار استراتيجي من خلال اعادة تفعيل المبادرة العربية التي اطلقتها قمة بيروت عام 2002 امر متوقع، لانه لا يوجد اي خيار آخر في جعبة القادة العرب، اما تعزيز التضامن العربي الذي كان شعار القمة فهو لا يخرج عن نطاق التمنيات، لان ما حدث هو العكس تماما بفعل غياب زعماء عرب مؤثرين مثل الرئيس المصري حسني مبارك والعاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، ارادوا عزل سورية وممارسة الضغط عليها من اجل العودة الي بيت الطاعة الامريكي مجددا، والقبول بشروط التسوية المطروحة للأزمة الدستورية الحالية في لبنان.
قمة دمشق عكست الوضع المهلهل للنظام العربي الرسمي، وحال الانهيار الذي تمر به مؤسسة القمة، مثلما كشفت حجم الشرخ الذي بات يهدد بتقسيم العرب الي معسكرات سياسية، وكتل جغرافية متباعدة تضعف اواصر الترابط بينها تدريجيا.

هناك عدة نقاط يمكن التوقف عندها بعد اجراء قراءة سريعة، ورصد ما دار في اروقة هذه القمة السرية والعلنية يمكن ايجازها كالتالي:
اولا: تبين بكل وضوح ان هناك تمردا في اوساط دول الخليج علي الهيمنة السعودية، الشقيقة الكبري في مجلس التعاون الخليجي، فبينما نجحت هذه الضغوط في ثني زعامات مصر واليمن عن المشاركة في القمة، فشلت مع قيادات دول خليجية اقرب كثيرا من الدولتين المذكورتين الي القلب السعودي، وشاهدنا زعماء كل من الامارات العربية المتحدة والكويت وقطر يؤكدون حضورهم باصرار لافت للنظر.
ثانيا: شاركت اربع دول مغاربية من خمس في القمة بزعمائها، وهي الجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا، والمغرب الخامسة بشقيق الملك، وهذا تأكيد ان الجناح الغربي للأمة العربية اكثر تمسكا بعروبته، وبمؤسسة القمة، من جناحها الشرقي، وانها اقرب الي دمشق من اي عاصمة مشرقية اخري.
ثالثا: مقاطعة العاهل السعودي للقمم العربية الثلاث الاخيرة في الجزائر وتونس والخرطوم لعبت دورا كبيرا في حضور زعماء هذه الدول لقمة دمشق، وعدم التجاوب مع الضغوط السعودية في هذا المضمار، مما يؤكد استقلالية قرار هذه الدول اولا، وان قرار المقاطعة للقمم العربية يعطي انطباعا عكسيا، ونتائج سلبية في معظم الاحيان.
رابعا: ربما تكون ضغوط السيدة كوندوليزا رايس نجحت في التأثير علي قرار العاهل الاردني، ودفعه الي تقليص حجم مشاركة بلاده في القمة العربية في دمشق، بشكل اثار العديد من علامات الاستغراب خاصة في اوساط الدولة المضيفة، ولكن هذه الضغوط عجزت كليا عن ثني الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وهو الطرف الاضعف، عن شد الرحال الي العاصمة السورية، وحضور جميع جلسات القمة بمثابرة خيبت توقعات الكثيرين الذين اعتقدوا ان مشاركته قد تقتصر علي الجلسة الافتتاحية فقط.
خامسا: ظهور مؤشرات علي بدء حرب باردة بين ما يسمي بدول الممانعة العربية بقيادة الدولة المضيفة، ودول محور الاعتدال ممثلة في مصر والمملكة العربية السعودية والاردن. فبينما لجأت سورية الي التهدئة، وانعكس ذلك بوضوح في خطاب رئيسها امام القمة، تعمدت دول الاعتدال، وخاصة في مصر والسعودية اطلاق حملة اعلامية مسعورة ضد القمة، وسورية علي وجه الخصوص، من خلال التركيز علي بعض السلبيات التنظيمية والاجرائية، مثل ما رددته احدي القنوات السعودية طوال فترة انعقاد القمة عن كونها الوحيدة التي لم تبدأ اعمالها بقراءة آيات من الذكر الحكيم، ونسي القائمون علي هذه القناة ان شقيقاتها من قنوات المنوعات ليس من بينها قناة اسلامية واحدة، ناهيك عن طبيعة الافلام والبرامج التي تبثها، مضافا الي ذلك ان بعض الصحف الرسمية المصرية فتحت صدر صفحاتها لكتاب استخدموا اسلوبا متدني المستوي في انتقاد القمة وسورية علي وجه الخصوص.

دروس عديدة يمكن استخلاصها من وقائع اليومين الماضيين لانعقاد القمة، ابرزها ان النظام الرسمي العربي وصل الي درجة من الانهيار باتت تستعصي علي الاصلاح، ولا نبالغ اذا قلنا ان التدخلات الامريكية المباشرة لعبت دورا كبيرا في الوصول الي هذه النتيجة البائسة، كما ان اللوم كل اللوم يوجه الي الزعماء العرب الذين استمرأوا اتهامهم بالعجز، وباتوا يبررون عدم اقدامهم علي اي فعل حقيقي لإنقاذ ما يمكن انقاذه الي عدم القدرة، واعذار الخلل في موازين القوي.
فالسياسة الخارجية الامريكية في المنطقة العربية تتبع استراتيجية التفتيت لإحكام السيطرة عليها، بعد ان كانت تقوم علي التوحيد قبل ان تتحول الولايات المتحدة الي قوة استعمارية عظمي. فبعد الحرب العالمية الثانية تبنت الادارات الامريكية قيام كيانات موحدة تتوزع فيها الثروة النفطية علي اكبر قدر ممكن من البشر، مثلما هو حال المملكة العربية السعودية وليبيا، اي عكس السياسة البريطانية التي كانت تتبني التقسيم، وتقيم دولة او مشيخة فوق اي بئر نفط يتم اكتشافها حتي تظل هذه الامارات والمشيخات ضعيفة وأسيرة الحماية الخارجية. وابرز النماذج في هذا الخصوص دول مثل الكويت وقطر والبحرين والامارات العربية المتحدة.
فلم يكن من قبيل الصدفة ان تقرر السيدة رايس زيارة كل من الاردن والاراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة واسرائيل، يومي انعقاد القمة في بادرة تحد ذات مغزي كبير، فموعد القمة تقرر قبل عام تقريبا، بينما لم يتقرر موعد جولة السيدة رايس الا قبل ايام او اسابيع معدودة، مما يؤكد علي سوء النية، وتعمد استفزاز دمشق والمشاركة في جهود افشال قمتها، ونسف ما تبقي من التضامن العربي.
زائر المنطقة العربية هذه الايام يلمس ظاهرة لافتة للنظر، وهي ان حديث الحرب الاقليمية يطغي علي كل دواوين النخب السياسية. وهناك همسات المسؤولين تؤكد ان الاستعدادات لاحتمالات هذه الحرب تسير علي قدم وساق رغم النفي المتكرر التي تبين انها تهدف الي تهدئة الرأي العام، خاصة في لبنان وسورية وايران، لمنع الارتباك الداخلي، وحدوث ازمات اقتصادية، وربما هجرة داخلية وخارجية.
وتلعب الهجمة الامريكية الدبلوماسية الحالية دورا كبيرا في تعميق هذه القناعة شبه الراسخة، بل ان هناك من يؤكد وجود علاقة مباشرة بين التوتر الحالي في جنوب العراق، واقدام دول مثل مصر والسعودية علي سياسات كسر العظم مع سورية، والتصعيد اللافت للتحريض الطائفي المذهبي، وتعميق الخلافات السنية ـ الشيعية، والتحضيرات للحرب الاقليمية لتسوية كل المشاكل والملفات المفتوحة حاليا، بعد ان باتت الخيارات الدبلوماسية الاخري محكومة بالفشل.
يظل من الجائز القول ان اعلان دمشق الذي صدر بعد اجتياح القوات العراقية للكويت عام 1990 كان مؤشرا لقيام محور عربي اطلق عليه في حينه دول الـ مع جاء بديلا للجامعة العربية، وقسم المنطقة علي اساس من هو مع امريكا ومشاريعها في العراق، ومن هو ضدها، و اعلان دمشق الذي صدر بالامس، وبعد 18 عاما يأتي في اتجاه معاكس، ومحاولة الغاء للاعلان الاول، ورد الاعتبار لسورية، من خلال اعادتها لموقعها الحقيقي كدولة ممانعة ولو مؤقتا، بعد سنوات من التيه لم تعد عليها الا بخيبة الأمل وخسارة وجودها في لبنان دون ان تستعيد هضبة الجولان.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات سياسية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “مفارقات في دهاليز دمشق”

  1. تتّسم رئاسة القمم في اغلب الاحيان بصفة رمزية لا تخوّل صاحبها صلاحيات واسعة، الا انها لا تجرّده كلياً من المسؤوليات والصلاحيات ومن ثم فانها ليست خالية من الدلالات. فرئاسة القمّة تعزز مكانة الدولة التي تتولاها، وتعلي من شأن رئيس الدولة. الاهم من ذلك ان الرئاسة تسمح للرئيس بالاضطلاع بدور خاص في متابعة مقرّرات القمة. فاذا اتسم رئيس القمة بالدراية تمكّن من ممارسة دور القيّم على تنفيذ مقررات القمة بنجاح. وحيث ان الشكوك تحيط دوما بمدى التزام مؤسسات العمل العربي المشترك بالمقررات الصادرة عن مؤتمراتها، وحيث ان هذه المسألة كانت مادة اهتمام كبير ومتزايد رافق انعقاد القمم العربية في الالفية الثالثة، فانها سوف تكون محكّا لنجاح الرئيس السوري بشار الاسد في اضطلاعه بدور رئيس القمة العربية. ولكن حتى تحقّق رئاسة القمة قدرا معقولا من النجاح على هذا الصعيد، فانها تحتاج الى مجابهة ثلاثة تحديات صعبة:

    التحدي الاول والاكبر هو اعادة ترميم الصدع الذي اصاب العلاقات العربية - العربية وذلك بدءا من احياء المحور المصري - السعودي - السوري. ولكي نؤكد على اهمية هذه الخطوة واثرها الكبير على المنطقة، يكفي ان نتذكر دور المحور الثلاثي في حرب عام 1973. فلقد تمكن هذا المحور من تحقيق درجة معقولة من التنسيق الذي شمل المنطقة العربية بما فيها تلك الدول التي شككت بادئ الامر في اهداف الحرب. واثبت التنسيق العربي - العربي فعاليته اذ سمح للدول العربية ان تحقق مكاسب كان من اهمها تعزيز مداخيلها النفطية.

    ان العودة الى ذلك المستوى من التنسيق بين الدول الثلاث ومن ثم بين الدول العربية ليس هيّنا، خاصة اذا ما اخذ المرء بعين الاعتبار التدهور الشديد الذي اصاب علاقات الدول الثلاث في الآونة الاخيرة. ولكنها ليست المرة الاولى التي تتدهور فيها العلاقات بين الدول العربية ثم يسوّى الامر فيما بينها. ولنتذكر هنا مرة اخرى، ان العلاقات بين اطراف المحور الثلاثي العربي لم تكن في احسن حالها في مطلع السبعينات، ولكنها ما لبثت ان اخذت في التحسن حتى وصلت الى حد مكّن الدول الثلاث من قيادة الحرب والتنسيق لخوضها.

    ان التحرك الذي قام به الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة في اعقاب قمة دمشق، يمثل خطوة سليمة على هذا الطريق. واذا لم تحقق هذه الخطوة ثمارها المباشرة، فالسبب هو ان «الحديدة لا تزال حامية» كما يقولون. فالصراع وصل الى ذروته على ابواب القمة، ورغم ان القمة مرت بهدوء، فان التوترات لم تهدأ تماما بعدها مباشرة. وهكذا كان من الصعب التفكير بالخروج السريع منها. ان مرحلة من الهدوء على جبهة العلاقات الثلاثية سوف توفر المناخ المناسب للرئيس الجزائري لتحرك جديد يحالفه النجاح. وتسهيلا لمثل هذه المهمة في المستقبل، وحيث ان المسألة اللبنانية لعبت دورا في توتر العلاقات بين اطراف المحور العربي الثلاثي، فانه سوف يكون مفيدا لو أن بعض اطراف المعارضة اللبنانية سهل مهمة الذين يعملون على تحسين العلاقات بين الدول العربية الثلاث.

    التحدي الثاني هو احتواء الضغوط الاميركية المتوقعة. وهذه الضغوط لم تهدأ لحظة منذ ان بدأت الترتيبات العملية لعقد القمة العربية تخرج الى العلن. فادارة الرئيس الاميركي بوش لم تحجب ضغوطها عن الأعين، بل قدمت «نصائح» علنية الى القادة العرب بصدد مقاطعة قمة دمشق. وكما كان موقف ادارة بوش تجاه مؤتمر القمة، سوف يكون موقفها مماثلاً تجاه رئاسة القمة. فاذا كان تنفيذ مقررات القمة يعود بالفائدة المعنوية على رئاستها، فان ادارة بوش سوف تعمل على احباط أي مسعى في هذا الاتجاه. تصريح ديفيد ولش الذي اعلن «فشل القمة في معالجة اهم القضايا العربية»، واعتبر ان انعقادها في دمشق هو سبب هذا «الفشل»، يؤشر على الموقف الذي سوف تتخذه ادارة بوش تجاه رئاسة القمة العربية.

    ان موقف ادارة بوش لا يرتبط بالتوتر الراهن في العلاقات السورية - الاميركية فحسب، ولكنه حصيلة نظرة استراتيجية اميركية، ونظرة ديك تشيني نائب الرئيس الاميركي الى النظام العالمي والى العلاقات الدولية، والى التكتلات الاقليمية وخاصة في المنطقة العربية. لخّصت هذه النظرة في الوثيقة الشهيرة التي حدد فيها البنتاغون خلال عام 1992 استراتيجية الولايات المتحدة تجاه مثل هذه التكتلات. وكما يذكر البعض، فقد جاء في الوثيقة ان الولايات المتحدة «… سوف تسعى الى منع اية دولة معادية من الاضطلاع بدور مهيمن في منطقة تتضمن طاقات تحوّل هذه الدولة الى قوة عالمية». وحددت الوثيقة ان هذه الطاقات تشمل نفط الخليج تحديدا. واضافت الوثيقة ان اهتمام الولايات المتحدة كان في السابق، قبل انهيار الاتحاد السوفياتي، منصبّا على منعه ومنع القوى الكبرى، مثل اليابان والمانيا، من الاضطلاع بذلك الدور، الا ان التطورات الدولية التي وضعت حداً لمثل هذا الاحتمال سمحت لواشنطن ان توجه جهودها في هذا المضمار الى منع «قوى اقليمية، معادية ومحدودة القوة» من الاضطلاع بمثل هذا الدور.

    هذه الوثيقة رمت في اعقاب حرب العراق الاولى الى توجيه جهود الولايات المتحدة باتجاه مواصلة ضربه ومنع استعادته قواه، تمهيدا لاحتلاله في مراحل لاحقة. اما اليوم فان هذه الملاحظات تنطبق على ما يدعى بالمحور السوري - الايراني، وعلى كل من طرفي المحور على حدة. فاذا كانت رئاسة القمة العربية تمدّ هذا المحور، من وجهة نظر اميركية، بموقع مهم في التكتل الاقليمي العربي، فان ادارة بوش سوف تعمل على اجهاض هذا الاحتمال.

    واذا كانت هذه الرئاسة تسمح لدمشق، على حدة، بتعزيز موقعها وباكتساب مشروعية اضافية دولية واقليمية، فان ادارة بوش - تشيني لن تتوقف عن العمل على منع دمشق من الاستفادة من هذا الموقع.

    ان السعي الى حرمان الرئيس السوري من مزايا ترؤسه القمة العربية لا ينسجم مع سياسة الادارة الاميركية تجاه دمشق فحسب، ولكنه ينسجم مع سياستها العامة تجاه النظام الاقليمي العربي. فاستبدال الاقليمية العربية باقليمية شرق اوسطية تضطلع فيها اسرائيل بدور مهم، واستبدال المحور الثلاثي العربي بمحور «دول عربية معتدلة اسرائيل» هما من الاهداف والركائز الرئيسية لادارة جورج بوش في المنطقة العربية.

    ان مواجهة مثل هذا التحدي الذي قد يستمر، ولاعتبارات متعددة، حتى بعد ذهاب جورج بوش من البيت الابيض، يتطلب التعجيل في استعادة التضامن العربي، كما يتطلب ايضا تحركا نشيطا من اجل تنمية علاقات القمة العربية مع التكتلات الاقليمية الاخرى في العالم مثل «آسيان» و «ميركوسور» والاتحادين الاوروبي والافريقي. ان مثل هذا التحرك سوف يفسد على ادارة بوش سعيها الى استخدام موقفها تجاه دمشق كرافعة وكمبرّر لعزل التكتل الاقليمي العربي على الصعيد الدولي.

    التحدي الثالث ناجم عن صفة النظام السوري باعتبار ان الحكومة السورية تعتنق فكرة القومية العربية. هذا الاعتبار يضع على عاتق رئاسة القمة مسؤوليات خاصة. فالرئاسة السورية سوف تكون مطالبة بتحقيق خطوات وانجازات قد لا يطالَب غيرها بها. ولسوف يقيس البعض خاصة من المنتقدين اداء رئاسة القمة بهذا المعيار. على هذا الصعيد، فانه من المستحسن ان تهتم الرئاسة السورية اهتماما خاصا بالعلاقات العربية الوظيفية.

    لعلّ رئاسة القمة تحقق تقدما في مضمار العمل العربي المشترك اذا حددت لنفسها منذ الآن وحتى القمة الدورية المقبلة في عام 2009، هدفا واقعيا ومعلنا وقابلا للانجاز. ولقد اشار اعلان دمشق الى مسألة تطوير منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى (غافتا) وصولا الى تحقيق السوق العربية المشتركة. ان المنطقة تراوح مكانها الآن بسبب العقبات غير الجمركية التي تعترض تنمية التبادل التجاري العربي. ولسوف تقدم رئاسة القمة نموذجا جديدا في العمل اذا اخذت على عاتقها التركيز على معالجة هذه المشكلة وازالة هذه العقبات والاختناقات او معالجة البعض منها اذا كان متعذرا عليها التغلب عليها كلها. فاذا وصلنا الى القمة المقبلة وتمكنت الرئاسة من انجاز خطوات جديّة على هذا الطريق، واذا تمكنت بفضل جهودها من زيادة نسبة التجارة البينيّة العربية، فانها سوف تحقق بذلك انجازا مهما يعزز مصداقيتها ومشروعيتها على الاصعدة الرسمية والشعبية، ويرسي اساسا اكثر جدية لعمل رئاسات القمم العربية في المستقبل.

  2. كيف يسمونها قمة عربية إذا كانت العروبة السياسية قد ماتت؟

    د. فيصل القاسم ـ الجزيرة توك

    لا أدري لماذا ما زالت الأنظمة العربية تعقد مؤتمرات قمة، وتستضيفها سنوياً حسب الأحرف الأبجدية في هذه العاصمة أو تلك، وتسميها عربية! فمن المفترض أن المظهر العروبي الذي تظهر به القمم العربية يعبر عن وجود روح قومية سياسية مشتركة تجعل المجتمعين يجلسون حول مائدة واحدة لتدارس همومهم وآمالهم ومشاكلهم المشتركة، كما يفعل الأوروبيون، والآسيويون، والأمريكيون الشماليون والجنوبيون. فنحن نعلم مثلاً أن هناك روحاً قومية عقدية سياسية تحكم الاتحاد الأوروبي، وتشد أجزاءه بعضها إلى بعض. أي أن هناك إطاراً سياسياً قومياً جامعاً للاتحاد يبرر انعقاد قمم دورية كتعبير عن روح الوحدة السياسية والعقدية والقومية. فهل لدى الأنظمة العربية التي تشارك في القمم العربية مثل تلك الروح العقدية أو القومية؟ بالطبع لا، مما يجعل عقد مؤتمرات قمة بشكل دوري أو شبه دوري ضحكاً على الذقون، أو مضيعة للوقت والمال والجهد، إن لم نقل كذباً على الحقيقة، وتقديم صورة مضللة للواقع السياسي العربي.

    هل تجمع العروبة كرابط قومي أو عقدي الأنظمة العربية الحاكمة؟ هل بقي لدى حكامنا أي شعور سياسي عروبي، إلا ما ندر؟ هل يمكن الحديث فعلاً عما يسمى بالنظام العربي نسبة إلى العروبة؟ ألم يتحول شعار “التضامن العربي” إلى “التطاحن العربي”؟ أليست الصراعات العربية- العربية أنكى وأشد من الصراعات مع الأعداء؟ ألم يصرح رئيس أركان الجيش في إحدى الدول العربية في جلسة خاصة قبل فترة بأن بلاده بدأت تزرع في نفوس جنودها عقيدة قتالية جديدة ليست موجهة ضد إسرائيل العدو الأول للعرب (لا سمح الله) بل ضد دولة عربية أخرى؟ ويحدثونك عن التضامن العربي! أليست الجزائر والمغرب في حالة صراع وحتى حرب منذ عقود بالرغم من التشدق المضحك بأواصر الأخوة والعروبة؟ ألم يصل العداء بين النظامين اللبناني والسوري إلى حالة مريعة؟ وكذلك الأمر بين السعودية ومصر من جهة وسوريا من جهة أخرى؟ ألم يغز العراق الكويت في عهد صدام؟ ألم تزد العلاقات توتراً بين العراقيين والكويتيين بعد الاحتلال الأمريكي، وهي تنتظر إشعال الفتيل فقط؟

    ألم يصبح شعار “العمل العربي المشترك” أقرب إلى “التآمر العربي المشترك”؟ ألم يجب وزير خارجية عربي قبل فترة بلاد الشرق والغرب كي يحرض ضد سوريا وعزلها؟ ألم يفعلها هو وغيره في السابق أيضاً ضد العراق وليبيا؟ أليس من السهل أن تجيش الأنظمة العربية كل طاقاتها المالية والسياسية للنيل من نظام عربي آخر على طريقة داحس والغبراء؟ ألم تتحدث بعض التقارير عن أن نظاماً عربياً رصد حوالي خمسين مليار دولار لإسقاط نظام عربي آخر؟

    ألم يزدهر شعار “نحن أولاً” في الأعوام الأخيرة الماضية ليصبح الناظم الحقيقي للعلاقات العربية - العربية؟ طبعاً ليس هناك إنسان بكامل عقله يمكن أن يطلب من الأنظمة العربية أن تفضل الشقيق على نفسها، فمن حقها أن تهتم بمصالحها أولاً، لكن الهدف غير المعلن من إطلاق مثل هذه الشعارات التي تركز على “أنا أولاً” هو الإمعان في ضرب أي نوع من التلاقي العربي حتى على أضعف الإيمان، وتكريس حالة الشقاق والتنافر والقطرية الصارخة.

    صحيح أن الشارع العربي، من نواكشوط حتى بغداد، يجتمع على قلب رجل واحد وجدانياً وثقافياً وقومياً، لكن الأمر مختلف تماماً على الصعيد السياسي، إلى حد أنه يمكن الحديث عن موت زؤام للعروبة السياسية. وأعتقد أن أعداء العروبة وسط الحكام العرب أكثر بكثير من مناصريها، إذ لا يحمل الكثير من المسؤولين العرب من العروبة إلا اسمها. فقد أصبحت العروبة مسبة وشتيمة في قاموس العديد من الأنظمة العربية. وحسب الذين ما زالوا يرفعون بعض الشعارات القومية، وينادون بوحدة الصف العربي الشتم والسباب والسخرية من أعداء العروبة. وكي ننصف الجميع، فإن المسؤول عن شيطنة العروبة ليس الطرف الذي يناصبها العداء فقط، بل أيضاً رافعو الشعارات العروبية أنفسهم الذين أساءوا لذلك المفهوم بنفس القدر أو أكثر، بسبب سياساتهم التي فرقت أكثر مما جمّعت. ولا داعي للشرح.

    وإذا تركنا العامل القومي جانباً على اعتبار أن لغة المصالح قد تكون أقوى من كل الروابط القومية، هل هناك أي مصالح تجمع الأنظمة العربية كي تجعلها تنضوي تحت خيمة القمة العربية؟ بالطبع لا. أيهما أقوى علاقة مصر بالدول العربية أم بإسرائيل؟ ألا تعطي القاهرة لعلاقتها بالدولة العبرية الأولوية على علاقتها بالعرب؟ ألا تزود القاهرة إسرائيل بالوقود الذي تستخدمه الدبابات الإسرائيلية في اجتياح قطاع غزة؟ ألم تتحدث التقارير عن أن مصر تبيع الغاز الطبيعي لإسرائيل بأقل من سعر التلكفة؟ هل يمكن لمصر أن تبيع الغاز بنفس السعر لدولة عربية “شقيقة”؟ أليس من المضحك أن التجارة البينية بين الدول العربية المزعومة لا يصل إلى خمسة بالمائة، بينما يصل حجم التجارة بين بعض الدول العربية وإسرائيل مثلاً إلى أكثر من ذلك بكثير؟

    أيهما أقوى؟ علاقة سوريا بالدول العربية أم بإيران، بعد أن ذاقت دمشق الأمرين على أيدي الأشقاء المزعومين الذين لا هم لهم سوى التآمر عليها والتحريض ضدها لأنها لا تشاركهم نفس “الاعتدال”؟ ألم تول ليبيا وجهها باتجاه إفريقيا بعد أن غسلت يدها من العرب والعروبة؟ ألا يفضل الفريق الحاكم في لبنان التقارب مع إسرائيل على التقارب مع سوريا؟ ألا يجد الكثير من زعماء جماعة الرابع عشر من آذار اللبنانية ضالته المنشودة في تل أبيب، لا في سوريا؟ ألا تلتقي سياسات بعض الدول العربية حتى التي لم توقع معاهدة سلام مع إسرائيل، ألا تلتقي مع التوجه الإسرائيلي مثلاً أكثر مما تلتقي مع بعض التوجهات العربية؟ ألم تؤيد بعض الدول العربية الكبرى مثلاً عدوان تموز الإسرائيلي على لبنان، وتحديداً ضد حركة المقاومة اللبنانية ممثلة بحزب الله؟ ألم يثن رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت على ما أسماه “الدول العربية الحكيمة” التي ساندته في حربه الفاشية على الشعب اللبناني؟

    طبعاً لا يمكن أن نعزو موت العروبة السياسية إلى الأنظمة العربية فقط، فقد عملت أمريكا وكل القوى الاستعمارية على ضرب الروح القومية العربية في نفوس الحكام العرب، كي تجعلهم يفضلون التحالف معها على التحالف فيما بينهم. وانتهى الأمر في ظل الهيمنة الأمريكية على المنطقة العربية إلى نوع من الاستعمار غير المباشر الذي افتقد الكثير من الدول العربية في ظله السيادة الوطنية، ليصبح مجرد أحجار على رقعة الشطرنج الأمريكية.

    من المستحيل إذن أن تنضوي الدول العربية تحت لواء قمة عربية واحدة إذا كان معظم تلك الدول لا يملك أبسط مقومات الانضواء، ألا وهي السيادة الوطنية الحقيقية. هل لدى العديد من الأنظمة العربية سياسة وطنية صرف، أم إن معظم استراتيجياتها مرتبطة بالاستراتيجية الأمريكية، وربما الإسرائيلية في المنطقة؟ ألم نسمع في الماضي أن أمريكا حالت دون انعقاد هذه القمة العربية أو تلك؟ ألم يصرح بعض المسؤولين العرب بأن أمريكا كانت توزع على وزراء الخارجية العرب في اجتماعاتهم التي تسبق القمة عادة بيانات وخطوطاً عريضة للالتزام بها والسير على هديها؟ ألا تخضع أجندات القمم العربية للضغط، وأحياناً للتوجيه الأمريكي المباشر؟

    كيف تنجح القمم العربية إذا كانت أمريكا تحرض الأنظمة العربية الحليفة لها على أي نظام عربي خارج عن الطوق الأمريكي، أو يحاول الخروج؟ أليس هناك تطابق بين المواقف العربية المناهضة لسوريا مثلاً والموقف الأمريكي؟ هل كانت الدول العربية لتقف ضد العراق، وتشارك في الإطاحة بنظام الرئيس الراحل صدام حسين وتدمير العراق لولا التوجيه الأمريكي؟ هل كانت ليبيا لتبقى خارج الصف العربي المزعوم لفترة طويلة من الزمن لولا أن أمريكا كانت وراء عزلة ليبيا وتحييدها عربياً؟ هل كان للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ليُعزل في غرفتين برام الله ليموت مسموماً على أيدي إسرائيل وبعض عملائها من الفلسطينين والعرب لولا الإرادة الأمريكية؟ فلا يمكن أبداً أن تذهب للمشاركة في قمة عربية، إذا لم يكن لديك أجنده وطنية عربية خاصة بك، فمعظم أجندات الأنظمة العربية ليست وطنية ولا عربية، لهذا نرى هذا التخبط والشوشرة والمشاغبة والتقاعس والتردد والمناكفة والمناطحة والتآمر قبيل انعقاد كل قمة عربية. ولو عُرف السبب لبطل العجب!



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر