خمس سنوات من القتل والنهب
كتبهاعبد الرؤوف ، في 21 مارس 2008 الساعة: 14:41 م
عبد الباري عطوان

الحرب قامت علي اساس سلسلة من الاكاذيب حول اسلحة الدمار الشامل والعلاقة الوثيقة والمؤكدة بين النظام العراقي السابق وتنظيم القاعدة ، وتورط الطرفين في احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) التي ادت الي مقتل ثلاثة آلاف امريكي في هجوم دموي علي برجي مركز التجارة العالمية في نيويورك.
مشكلة الذين شنوا هذه الحرب الظالمة وغير القانونية انهم لا يتعلمون من اخطائهم، لانهم لا يعترفون بوقوعها اساسا، والمثال الأبرز خطاب الرئيس الامريكي جورج بوش الذي القاه امس بهذه المناسبة، وقال فيه انه غير نادم علي خوضها، مشيدا بالنجاحات الكبيرة التي حققتها قواته، وواعدا بانتصار استراتيجي كبير.
القوات الامريكية اطاحت فعلا بالنظام العراقي السابق، وأعدمت رئيسه بعد محاكمة مخجلة، ولكنها لم تحقق أيا من الاهداف الاخري، فالأنظمة الديكتاتورية العربية تزداد قوة وقمعا وفسادا، وعملية السلام الامريكية لحل القضية الفلسطينية تزداد تعثرا، وتنظيم القاعدة يزداد قوة وانتشارا، حيث فتح فروعا في المغرب العربي والصومال واوروبا، وان كان تعرض الي نكسة في العراق بسبب اخطاء ارتكبها مبعثها غرور بعض قياداته وعدم فهمهم لطبيعة الشعب العراقي، ولكن هناك مؤشرات علي وجود عملية اعادة تقييم، والتعلم من بعض الاخطاء مما يوحي بانها ربما تكون نكسة مؤقتة، وأبرز دليل عليها عودة العمليات الانتحارية والتفجيرات بقوة الي بغداد في الايام القليلة الماضية وارتفاع مضطرد لعدد الهجمات التي تستهدف القوات الامريكية.
ولا نعرف اين هي الانجازات التي يتباهي بها الرئيس بوش في العراق، فقبل ساعات من وصول ديك تشيني نائب الرئيس الامريكي متسللا كاللص الي بغداد، فجرت انتحارية نفسها في كربلاء وقتلت خمسين شخصا علي الاقل، وقبلها باسبوعين فجرت امرأتان حزاميهما الناسفين وسط سوق مزدحمة بالمتسوقين في الغزالية والجديدة فأودتا بأرواح مئة شخص علي الاقل.
احداث التفجير تراجعت لبضعة اشهر في العاصمة بغداد ليس بسبب كفاءة القوات الامريكية واجهزة الامن العراقية المتعاملة معها، وانما لان عمليات التطهير العرقي والطائفي اكتملت، وأودت بأرواح ثلاثة آلاف شخص شهريا خلال عامي 2006 و2007، وتحولت احياء بغداد التي كانت مثلا في التعايش الطائفي الي غيتوهات سنية او شيعية محاطة بحوائط قبيحة، ونقاط تفتيش عسكرية علي غرار نظيرتها الاسرائيلية في مدن الضفة الغربية وقراها.
فهل تطفيش الطبقة الوسطي، وقتل مليون عراقي وتشريد خمسة ملايين آخرين، ونهب الآثار، وتدمير اكبر مركز اشعاع ثقافي وحضاري وعلمي في المنطقة، واذكاء نيران حرب اهلية طائفية، واحتلال العراق المكانة الابرز علي قائمة الدول الاكثر فسادا في العالم، من الانجازات التي يتباهي بها الرئيس بوش زعيم العالم الحر ورسول الديمقراطية وحقوق الانسان في العالم؟
لا نجادل في ان الحرب اطاحت بالنظام العراقي السابق، ولكن هل كانت هذه الاطاحة من اجل مصلحة الشعب العراقي، ام انها لمصلحة اسرائيل والحفاظ عليها كقوة اقليمية نووية عظمي في المنطقة، أم من اجل النفط العراقي الذي تقدر احتياطاته باكثر من مئتي مليار برميل مثلما اعترف بذلك صراحة الن غريسبان رئيس البنك الفيدرالي المركزي السابق في مذكراته التي نشرها العام الماضي؟
اما السؤال الآخر فهو عما اذا كانت هذه الانجازات تستحق كل هذه الخسائر المادية والبشرية التي منيت بها الادارة والشعب الامريكي في آن؟
دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الامريكي قدر تكاليف هذه الحرب المادية بحوالي خمسين مليار دولار، بينما اكد بول وولفوفيتز نائب وزير الدفاع وابرز مهندسي هذه الحرب، بان النفط العراقي كفيل بتمويل عملية الاعمار كاملة في العراق. قبل شهرين اكد تقرير رسمي صادر عن البنتاغون ان هذه التكاليف بلغت 600 مليار دولار ولكن جوزيف ستيغلتز الخبير الاقتصادي والفائز بجائزة نوبل يؤكد ان التكاليف الحقيقية ستتراوح بين ثلاثة الي خمسة تريليونات دولار (5000 مليار دولار) ويرجع انهيار الاقتصاد الامريكي الي لعنة الحرب في العراق، وهو الانهيار الذي ترددت آثاره السلبية في معظم اسواق المال الغربية والعالمية.
واذا اضفنا الخسائر البشرية في صفوف القوات الامريكية التي اقتربت من حاجز الاربعة آلاف قتيل النفسي، وثلاثين الف جريح، علاوة علي 175 قتيلا في صفوف القوات البريطانية ومثلها في صفوف القوات المتعددة الجنسية، فإن ملامح الكارثة الامريكية تبدو اكثر تبلورا ووضوحا.
ايران التي يطوف تشيني في العواصم العربية لحشد التأييد لحرب شبه مؤكدة ضدها خرجت الفائز الاكبر من هذه الحرب، فقد استولت علي العراق فعليا من خلال الميليشيات التابعة لها، وباتت في موقع يؤهلها لإذلال الادارة الامريكية والتلاعب باعصاب قيادتها. وهي الادارة التي سلمتها العراق من خلال حلفائها الحاكمين حاليا في بغداد، علي طبق من البلاتين.
الرئيس بوش الذي يتحدث عن انتصار استراتيجي كبير في العراق، هو آخر شخص يفهم في الاستراتيجيا، ونشك انه يفهم في اي شيء آخر، فغزو العراق واحتلاله اخل بالتوازن الاستراتيجي الأهم في المنطقة من خلال تدمير العراق وتمزيقه، وحل قواته المسلحة، وتتويج ايران القوة العسكرية الاعظم دون منافس حقيقي من دول الجوار. فايران استغلت الانشغال الامريكي في اطاحة عدوها اللدود في بغداد لتطوير صناعة عسكرية متطورة، ملأت ترسانتها بالصواريخ من كل الاشكال والابعاد، وغواصات حديثة، وبرنامج نووي علي بعد عامين علي الاكثر من انتاج رؤوس نووية.
العراق الجديد هو الشاهد الاكبر علي الجريمة الامريكية الاكثر كارثية في التاريخ الحديث، ولذلك لا يجب ان تمر دون محاسبة وتقديم كل من تورطوا فيها الي محاكم دولية متخصصة في جرائم الحرب، ليس بسبب ما الحقوه بالشعب العراقي من قتل وتشريد وتجويع ونهب للثروات، وانما ايضا بالشعب الامريكي والاقتصاد العالمي، والقيم الغربية والمواثيق الدولية المتعلقة بالعدالة وحقوق الانسان.
ما يثير استغرابنا وألمنا في الوقت نفسه، هو هذا السكون الغريب في اوساط الشعوب الغربية، والامريكية والبريطانية منها علي وجه الخصوص. فلماذا لم تثر هذه الشعوب ضد حكامها من امثال بوش وتوني بلير الذين ارتكبوا جرائم الحرب هذه عندما اكتشفوا اكاذيبهم الفاضحة التي ضللتهم واستخدمت لتسويق هذه الحرب غير القانونية وغير الاخلاقية، مثل اكذوبة اسلحة الدمار الشامل والعلاقة مع القاعدة؟
ولا يمكن ان ننسي في هذه العجالة الرهط الكبير ممن ينتمون الي العراق اسما، وأصبح بالنسبة اليهم مشروع نهب، الذين شاركوا متحمسين في جريمة الغزو وعملوا خدما مطيعين للأجهزة الامنية الامريكية والبريطانية ومخططاتها انطلاقا من احقاد طائفية مريضة، وبعضهم دكاترة و سادة واصحاب مقامات عليا .
ارادوا العراق مقبرة جماعية لكل الشرفاء والابرياء، وبقرة حلوبا للإثراء السريع، وتحقق لهم ما ارادوا، وعادوا الي منافيهم الاوروبية الفارهة مثقلين بالمليارات، بينما لا يجد ابناء العراق الصابرون الكهرباء والماء والوقود والطعام ناهيك عن الأمن والامان.
نكره ترديد عبارة لقد حذرناكم ولم تستمعوا الينا ولكن حتي يخرج الشعب العراقي من محنته الحالية لا بد من تسمية الاشياء باسمائها، حتي يتم البناء علي ارضية جديدة نظيفة، بعد هدم وإزالة كل جيوب العفن الحالية، ابتداء من قوات الاحتلال وكل المتعاونين معها.
فعندما يفشل 170 الف جندي امريكي، وضعفهم من قوات الامن والحرس الوطني العراقي، ومثلهم من الميليشيات الطائفية والعرقية، و75 الفا من قوات الصحوة الطارئة علي التعاون مع المحتل والمتحالفة معه، في تأمين المنطقة الخضراء التي لا تزيد مساحتها عن اربعة اميال مربعة، ويعجز بوش عن التجول في اي شارع من شوارع العراق باطمئنان مبتسما لمن حررهم ومحاطا بوكلائه العراقيين، فإن هذا يعني ان هناك خللا كبيرا لا بد من اصلاحه بشكل جذري وبكل الوسائل.
احتلال العراق قدم لنا صورة واضحة عن نوعية الاسلام الذي يفضل الامريكان التعامل معه، وهو الاسلام العميل الذي يقبل بالاحتلال ويتعاون مع المحتل. ففي الوقت الذي ينصب فيه الرئيس بوش زعيما للحرب علي الاصولية الاسلامية المتشددة في مختلف انحاء العالم، لا يتورع عن احتضان اصولية اسلامية وتصعيدها الي سدة الحكم في العراق، طالما انها تنخرط بحماس شديد مع مؤسسات الحكم التي افرزها الاحتلال، وتتساوي هنا اصولية الحزب الاسلامي السني مع اصولية المجلس الاعلي الشيعي.
فالولاء للامريكان ومشاريعهم هو معيار الحكم علي الاصولي الجيد والاصولي الارهابي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات سياسية | السمات:مقالات سياسية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أبريل 3rd, 2008 at 3 أبريل 2008 7:44 م
ليس من الغريب أن يصر الرئيس الأمريكي على ما وصفه بالنجاح بعد غزو واحتلال العراق ،إذ أن مفهوم النجاح يختلف باختلاف العقيدة والإستراتيجية التي يتبعها الرئيس الأمريكي وفريق إدارته عنها عند العراقيين وهم الذي يصلون تباعاً وإسراراً إلى العراق في محاولة لشحن الإرادة المنهزمة لجنودهم.
وليس من الغريب أن تسكت حكومة المنطقة الخضراء عن إصدار بيان واحد في الذكرى الخامسة لمأساة الاحتلال بل وتمضي غير عابئة لمصائب ملايين العراقيين ،في الوقت الذي لم يمر هذا اليوم دون أن يكون للكثير من الشخصيات والهيئات الوطنية والعالمية مواقف مناهضة لقوات الاحتلال وفضح ممارساته. كل هذا يؤشر على مدى التكالب المحموم الذي يبديه أركان السلطة الحالية في العراق على رفض خروج القوات الأمريكية من العراق بل والتوقيع على اتفاقية طويلة الأمد تكفل لهم البقاء أطول فترة ممكنة ..
كل الأطراف السابق ذكرها تواجه بمعارضة شعبية كبيرة وحتى رسمية ضد مخططاتها فالإدارة الأمريكية تواجه معارضة نحو 70% من الشعب الأمريكي للحرب في العراق التي تكلف نحو25 مليار دولار شهريا وتبعاتها فضلاً عن معارضة الحزب الديمقراطي بل وفئات من الحزب الجمهوري ( وإن كنا لا نعول عليهما) بجانب الهيئات ومنظمات المجتمع المدني التي لا تنفك تتظاهر ضد مخططات الإدارة الأمريكية.
أما إدارة الحكم الحالية في العراق فإن معارضيها ومنتقديها أكثر من أن يحصون فهم من كل الطوائف والأعراق والنخب سواء كانوا من الشيعة أو الأكراد أو السنة والمتابع للشأن العراقي يعرف مدى الرفض الشعبي من العشائر العراقية والنخب المثقفة لأدوارهم ،فانتفاضة عشائر الجنوب مؤخراً ضد النفوذ الإيراني والأحزاب التي تدور في فلكه الذي وصل إلى مدىً زكمت منه الأنوف شاهد على ذلك.
وكذا الحال ضد دكتاتورية الطلباني والبرزاني التي شوهت سمعة الشعب الكردي وصادرت رأيه وثروته التي يسعون للتعاقد مع أية شركة تكفل لهم حصة الأسد منها برغم المعارضة التي يلقونها من حامي حمى النفط العراقي حسين الشهرستاني!!! . ويشبه البعض الاستبداد والقمع الذي يتمتعان به بقمع النظام السابق بل وأشد ويشهد لذلك ما ذكره أرشد الزيباري أحد وجهاء العشائر الكردية الذي فضحهم على الملأ .وتشهد مدينة كركوك التي عرفت تنوعاً قل نظيره مشاكل عديدة من سياساتهما.
أما الأطراف السنية الموافقة لهم فلا تختلف عنهم في مدى الكره والانتقادات التي يلاقونها على خلفية محاولتهم الانخراط في الإدارة الحالية للدولة العراقية وتشريعهم القوانين في ظل الاحتلال برغم ما يحاولون إظهاره من الحرص على مصالح فئتهم.
فضلاً عن الرفض لحجم الطغيان والفساد في الوزارات ومنهجية القتل والاعتقال التي تسلكها قوات الأمن التي أودعت نحو مائة ألف عراقي رهين السجون ناهيك عن ثلاثين ألفاً آخرين عند قوات الاحتلال ،بل وذكر آخر تقرير دولي إن وزارة الكهرباء العراقية انتقدت وزير النفط العراقي حسين الشهرستاني لعدم تجهيزها بالنفط لتشغيل شبكات الكهرباء خاصة في محافظات وسط العراق وإصرار وزارة النفط على تصدير أغلب ما تنتجه آبار النفط في مناطق الجنوب ،ويعرف الكثير أين تذهب أموالها في ظل انعدام الخدمات والمشروعات الوهمية التي توزع على مقاولين وهميين أو لا ينفذ من المشروع إلا بناء هياكله ،ويذكر تقرير دولي آخر إن حجم ما تهربه الجماعات الصغيرة التي تمتهن بيع النفط إلى مهربين في الخليج بتسهيلات إيرانية بنحو 15 مليون دولار يومياً، والكل ينظر الآن للصراع الذي يدور في المحافظات الجنوبية خصوصا في محافظة البصرة إذ تسعى التيارات الثلاث المتنازعة في المدينة وهي حزب الفضيلة الذي ينتمي له المحافظ وتكتل المجلس الأعلى وحزب الدعوة الذي يقود الأجهزة الأمنية والدوائر الحكومية والتيار الصدري الذي يقود جماعات من المسلحين تحاول السيطرة على الشارع البصري ،يسعى الكل إلى السيطرة عليها بكل الوسائل .
الفصائل المسلحة والهيئات والجماعات المعارضة للاحتلال التي ظلت رقماً عصياً على المداهنة والانجرار وراء مشروعات التقسيم والانسلاخ والتي كسرت هيبة الولايات المتحدة وجبروتها العسكري، أصابها وللأسف شقاق من ناحية لجوء بعض المحسوبين عليها إلى قتل الأبرياء ونكوص قياداتها عن عملية النقد الذاتي ومحاسبة المخطئين مما لوث مسيرتها المفعمة بمنازلة المحتلين وأذنابهم، وإضاعة آخرين للبوصلة وارتمائهم بأحضان غير شرعية وانخراطهم بتشكيلات سُلِم قيادها إلى أناس عرفوا ببيع ذممهم وملاحقة أبرياء آخرين ، ومن ثم دخل الطرفان بصراع داخلي دموي كان الاحتلال وتابعوه المستفيدون جراءه .
فالوضع الحالي وإن شهد رخاء أمنياً مزعوماً ارتضاه المسحوقون من ضيم نحو عشرين سنة ماضية زادتها السنوات الخمس الأخيرة أضعافاً من المعاناة وصلت إلى حد الطحن،إلا أنه بجهود القائمين عليه منح الاحتلال بدنانير معدودة من ثروة العراق ما لم يكن ليحلم به ولوحق الرافضون للاحتلال ونكص البعض من سالكيه عن خط الاستقامة الذي انطلقوا منه.
يأمل البعض ممن لم يدخل المناكفات والصراع (وإن كنا نرى أنهم تأخروا بالحل والنصح ) من المنصفين في الطرفين الذين انجروا وراء تبريرات ضغط الواقع أن يفيقوا من غفوتهم وأن يطهر كل منهم صفه من الدواخل والشوائب التي غطت على الخيرية التي يحملونها ، والكل خاسر إن لم نتدارك أمرنا.
وأن يجعلوا من مآسي نحو مئات الآلاف من الشهداء ونحو مليون أرملة ونصف مليون معوق ومشوه وغياب آلاف الأساتذة والأطباء بالاغتيال والتهجير وضياع المليارات من ثروات العراق ضوءاً أحمراً أمام انجرافهم في غي المشاريع التي لا تعطي لأهل الإنصاف والوسطية حقهم من الريادة .
كلنا يقين بأن الرجوع إلى الحق ونبذ الاستبداد واستشارة المخلصين وإن لم يكونوا في صف البعض سينجي من المأساة التي طال ليلها، واستذكار مشهد السنوات الخمس بكل تفاصيله بروية وتبصر قد يجعلنا نعيد تصور أولوياتنا في المرحلة القادمة.
أبريل 4th, 2008 at 4 أبريل 2008 9:15 ص
المقاومة العراقية ما لها وما عليها بعد 5 سنين من الاحتلال
عوني القلمجي
04/04/2008
للمقاومة العراقية مناقب كثيرة وفريدة من نوعها بين مقاومات الشعوب التي تعرضت للاحتلال قاطبة، فعلي الرغم من كل الظروف الذاتية والموضوعية الصعبة ومساوئ النظام العربي والاقليمي وسقوط التوازن في المعادلة الدولية، فان المقاومة العراقية قد حققت خلال سنين الاحتلال الخمس انتصارات رائعة ضد امريكا وحطت من قوتها ونالت من مكانتها بين دول العالم وشعوبه.
وكان ابرز هذه المناقب تمسك المقاومة بالارادة وحب الوطن واعتبرتهما اقوي من كل الظروف وامضي من اي سلاح مدمر. والقائمة بهذا الخصوص طويلة ومشرفة.
ومع فرادة هذه التجربة، فالمقاومة العراقية لم تزل تراوح مكانها لجهة انجاز مهمات الانتصار والتحرير وابرزها توحيد فصائل المقاومة وتشكيل قيادة عسكرية مشتركة واقامة الجبهة الوطنية الشاملة وفق برنامج سياسي يلبي طموحات كافة اطرافها، اذ لا يكفي ان يكون البديل عن انجاز هذه المهمات مجرد وحدة موقف فصائل المقاومة تجاه المحتل وايمانها بشعار التحرير والاعتماد علي رابطة الدم بين المقاتلين. فكل ذلك رغم اهميته لن يصل بالمقاومة الي مرحلة تحرير البلاد. وكنا في السابق نغض الطرف عن الاسباب التي حالت دون تحقيق هذه المهمات واكتفينا بالمطالبة والمناشدة لتحقيقها علي امل ان ترتقي فصائل المقاومة الي مسؤوليتها الوطنية وتتخلي عن النزعات الذاتية والتفكير بعقلية الماضي التي تستهين بالاخر وتغليب مصالحها علي حساب مصلحة الوطن. لا نقصد هنا المساس بقدسية المقاومة ولا بسلاحها او التقليل من اهمية دورها في مجابهة الاحتلال او الاستهانة بالتضحيات الجسام التي قدمتها، وانما نقصد ممارسة حقنا كعراقيين ضد الاحتلال في النقد البناء بكل اشكاله بما فيه نقد السلاح، خاصة وان الصراع بلغ اشده والمحتل واعوانه يعدون العدة لتجاوز مأزقهم والانتقال مجددا الي موقع الهجوم الشامل. اضافة الي ظهور بوادر المساومة مع المحتل او حكومته من قبل بعض الاطراف الوطنية.
وعلي هذا الاساس نري من حقنا ان نتساءل: تري لماذا جري التراجع عن كل وعود فصائل المقاومة العراقية بانجاز تلك المهمات النبيلة وتحقيق شروط الانتصار؟ هل هناك فعلا اسباب حالت دون ذلك؟ ام ان هناك عقبات يصعب التغلب عليها فعلا وتتعلق بظروف الصراع وطبيعته الصعبة كما يدعي البعض؟
ام ان الامر يعود الي اسباب اخري لها صلة بنهج وتفكير فصائل المقاومة ذاتها؟
من دون اي لف ودوران، فان العلة تكمن في نهج وتفكير فصائل المقاومة ذاتها. وهذه حقيقة لا ينبغي التستر عليها خشية استغلالها من قبل معسكر الاحتلال او المتصيدين في الماء العكر، وهذا النهج لايزال، علي ما يبدو، اسير عقلية التفرد والاقصاء والغطرسة. ولا يغير من هذه الحقيقة اشتراك عدد من فصائل المقاومة في جبهات عديدة كان ابرزها جبهة الجهاد والتحرير وجبهة الجهاد والتغيير وجبهة الجهاد والاصلاح. فهذه الجبهات التي استبشر بها العراقيون، سرعان ما تخلت عن وعودها وتمترست خلف مرجعياتها ووضعت فيما بينها الحواجز بدل التمترس حول القاسم المشترك الاعظم الذي يجمعها والذي يتمثل تحديدا بتحرير العراق واعادة بنائه واقامة النظام الديمقراطي التعددي. ليتبين فيما بعد بان البيانات التي بشرت بالوحدة الشاملة ليست سوي يافطات سياسية كان الغرض منها كسب ثقة العراقيين واستثمارها في تحقيق مكاسبها الفئوية الضيقة.
واذا كان في هذا الرأي تجن، تري بماذا تفسر لنا هذه الجبهات او المنضوون تحت رايتها عجزها عن التقدم خطوة واحدة باتجاه الوحدة الشاملة؟ وما معني هذا التسابق فيما بينها بتشكيل مؤسساتها الاعلامية والسياسية؟ ثم ما هذا التباهي في انضمام هذه الجهة او التجمع الي هذه الجبهة او تلك حتي اذا كان المنتمي مجهول الهوية او مشبوها؟ وما هذا التعالي واعتبار كل جبهة نفسها هي الافضل والاصلح والاقوي والاوسع انتشارا في صفوف العراقيين؟ الم يتصرف البعض منها وكأنه المرجع الاعلي وان تحرير العراق لن يتم من دونه وان علي الجميع الانصياع لرغبته ومشيئته والا واجه النقد اللاذع والتخوين احيانا؟
يبدو اننا امام حالة لا تبشر بالخير، وان عقلية التفرد والاقصاء والغطرسة قد اطلت علينا بوجهها المقيت من جديد لتعيد الي الاذهان ذلك الموروث السيئ الذي حكم العلاقة بين الاحزاب والقوي الوطنية علي مدي عقود من الزمن، وهي ذاتها التي قادت البلاد والعباد الي الخراب والتدمير. واذا لم يجر التخلي عنها والعودة لمنطق العقل والوقائع والاسترشاد بتجارب الشعوب التي حققت الانتصار ضد المحتلين والغزاة، فانها ستؤدي حتما الي تراجع المد الشعبي المؤيد للمقاومة وتتحول من مقاومة شعب ضد الاحتلال لنيل الاستقلال الي مجرد مجموعات مسلحة لا يتعدي دورها سوي استنزاف القوات المحتلة وارباكها، أو في احسن الاحوال تظل عملياتها العسكرية محصورة في نطاق الحروب التكتيكية التي لن ترتقي الي الحروب الاستراتيجية والتي من دونها لا يمكن طرد الاحتلال نهائيا. بل لا نستبعد ان تنتهي هذه المجموعات المسلحة في نهاية المطاف، بفعل اختلال التوازن العسكري المختل لصالح قوات الاحتلال وما تمتلكه من اسلحة ومعدات متطورة وتكنيك عال ووسائل مواصلات ومعلومات واجهزة الاستخباراتية الامر الذي يؤهلها لتحمل حرب استنزاف لمدة طويلة.
وفي هذا الصدد فان اول هذه الحقائق تقول باننا امام قوة محتلة وهي امريكا التي لم يشهد التاريخ لها مثيلا من حيث العدة والعتاد تساندها الصهيونية العالمية ودول كبري في العالم وتشاركها دول اقليمية ابرزها ايران العدو التقليدي للعراق وتدعمها بكل الوسائل حكومات الردة العربية وتحميها المنظمات الدولية وفي المقدمة منها الامم المتحدة، وثانيها وعلي ضوء فهمنا لهذه القوة المحتلة الغاشمة، فانه ليس بمقدور اية جهة او فصيل او جبهة واحدة من هذه الجبهات تحرير العراق بمفردها وانما يتطلب ذلك وحدة جميع فصائل المقاومة العراقية وعلي وجه السرعة. وثالثها ان المقاومة هي فعل شعبي بالأساس اي حركة شعب ضد الاحتلال من اجل نيل الاستقلال وان دور الفصائل المسلحة يأتي في المقدمة من هذه الحركة بشرط ان تحظي بدعم وتأييد شعبي متصاعد ومتواتر بمعدلات كبيرة والا تحولت هذه الفصائل المقاومة الي عصابات مسلحة. ورابعها ان المقاومة لا يقتصر دورها علي العمل العسكري فحسب وانما يتطلب منها تعبئة عموم الشعب واستنهاض هممه لدحر الاحتلال وتصفية عملائه. بمعني اخر فان عجز المقاومة عن تجييش الشعب العراقي سياسيا وجماهيريا ضمن اطار جبهة شاملة، سيؤدي علي الاغلب الي فشلها في تحقيق شروط الانتصار والتحرير. ولنا في تجربة الجيش الجمهوري الايرلندي خير مثال علي ذلك فهذا الجيش لم يسترجع قوته بعد الهزائم التي تعرض لها امام الجيش البريطاني المحتل الا بعد تشكيل جناحه السياسي والعمل وسط الشعب الايرلندي.
لا نجادل اطلاقا في مأزق قوات الاحتلال في العراق ولا في حيرة الادارة الامريكية في ايجاد سبيل للخروج منه ولا في الضغوط المتزايدة التي يتعرض لها بوش من قبل خصومه الديمقراطيين، بوضع جدول زمني لانسحاب القوات المحتلة من العراق، ولا نجادل اخيرا بهزيمة قوات الاحتلال في نهاية المطاف طال الزمن او قصر، وانما نجادل حول حقيقة هذا المأزق ومخاطر تضخيمه في هذه المرحلة من الصراع والاستهانة بقدرات المحتل واستعداده للقتال لتجنب الهزيمة التي من شأنها تحطيم مشروع الامبراطورية الكونية، التي يسعي بوش ومن يخلفه لبنائها ليتسني لها التحكم بالعالم وبمقدرات شعوبه. يضاف الي ذلك اصرار الصهيونية العالمية وكيانها في فلسطين المحتلة وكذلك المجمعات العسكرية والمالية في الولايات المتحدة والذين يتحكمون بقرار الادارة الامريكية علي مواصلة احتلال العراق الي ما لا نهاية.
وامام ذلك لا نجد امامنا من خيارسوي دعوة فصائل المقاومة فرادا او تلك التي تنضوي تحت جبهات معينة، الي التخلي عن هذا النهج القديم والارتقاء بالمسؤولية الوطنية عاليا والاستعداد الي تقديم التنازلات المتبادلة من اجل تحقيق تلك الاهداف النبيلة بدل التفكير في تقديم التنازلات للمحتلين واعوانهم من اجل تحقيق مكاسب فئوية ضيقة. فوحدة فصائل المقاومة تمكن من توفير مستلزمات النصر والتحرير وفي ظلها يمكن تحقيق قيادة عسكرية مشتركة تمهد لبناء جيش التحرير الشعبي القادر علي الانتقال من المعارك المحدودة او معارك الاستنزاف الي المعارك ذات البعد الاستراتيجي. وعن طريقها تتحقق الجبهة الوطنية الشاملة، التي من دونها لا يمكن تطوير دور الجماهير العراقية في تأمين مستلزمات المقاومة المسلحة من مال وسلاح وابناء بررة، ومن خلالها تتمكن المقاومة من مد الجسور مع فئات الشعب المختلفة في المدن المركزية والمحافظات والبلدات، وتحت جناحها يتعزز العمل المشترك وتتمتن اواصر التعاون والتنسيق واشاعة روح التضحية من اجل العراق قبل التضحية من اجل المبادئ الخاصة.
ليس هناك ما يعيق انجاز وحدة فصائل المقاومة وبناء الجبهة الوطنية الشاملة اذا صدقت النوايا. فمثلما تمكن 22 فصيلا من الانضواء تحت جبهة الجهاد والتحرير و10 فصائل اشتركت في جبهة الجهاد والاصلاح وعدد مقارب توحد في جبهة الجهاد والتغيير وسمعنا مؤخرا عن انبثاق جبهة جديدة تحت اسم جبهة الجهاد والخلاص الوطني، فان بامكان قادة او ممثلي هذه الجبهات من توحيد نفسها في جبهة واحدة، الامر الذي سيشجع بقية الفصائل والقوي للانضمام الي الجبهة الموحدة الذي طال انتظارها خاصة وان شعار الجبهات وبقية الفصائل هو تحرير العراق واعادة استقلاله كاملا غير منقوص.
انها لحظة تاريخية لا ينبغي ان تفلت من ايدينا، والامساك بها والتوقف عند معانيها الكبيرة يعد الحجر الاساس في حماية الانتصارات التي حققتها المقاومة العراقية وتوفر لها قواعد الحماية والامان، فاذ كان تحقيق الانتصار فعلا في غاية الاهمية في حد ذاته، فان الحفاظ علي هذه الانجازات العظيمة مهمة اصعب في ظل وجود محتل شرس وفي ظل تآمر محلي وعربي واقليمي ودولي يحثون الخطي ويستخدمون كل الوسائل لانهاء هذه الانتصارات والانجازات بل ومحوها من وعي ووجدان الشعب العراقي الذي قدم التضحيات الجسام من اجل دحر الاحتلال وتحرير العراق من رجسه. وليس هناك من وسيلة افضل للحماية من وحدة فصائل المقاومة العراقية واقامة الجبهة الوطنية الشاملة.
تري هل هناك ما يبرر تأخير امل العراقيين المنشود اذا تخلينا عن الذات لصالح العراق واهله؟
أبريل 13th, 2008 at 13 أبريل 2008 6:03 م
جريدة السبيل: العراق بعد خمس سنوات على الاحتلال/ياسر الزعاترة .
بقلم: ياسر الزعاترة
المشهد العراقي بعد خمس سنوات على الاحتلال محزن إلى حد كبير، فهنا ثمة بلد خسر ما يقرب من مليون من مواطنيه قتلى، وأضعاف ذلك من الجرحي والمعوقين، إلى جانب سبعة ملايين مهجر (أربعة منهم خارج العراق وثلاثة داخله)، كما أن هناك ما يقرب من 150 ألف معتقل يتوزعون بين سجون الاحتلال وسجون أجهزة الأمن العراقية. أما ثرواته فتفنن اللصوص في سرقتها، وقبل عام قالت هيئة النزاهة الوطنية، إنها تحقق في 2500 قضية فساد كلفت العراق ما يقرب من 80 بليون دولار.
منظمة العفو الدولية قالت إن العراق ما زال من البلدان الأكثر خطورة في العالم، أما المنظمة الدولية للصليب الأحمر فقالت إن الوضع الإنساني (المياه والصحة تحديداً) من أسوأ الأوضاع على مستوى العالم.
لكن ذلك لا يخفي جانباً مهماً ومضيئاً لا ينبغي لأحد أن ينساه في خضم حلقات الموت والمعاناة التي يزدحم بها المشهد. إنه مشهد المقاومة الرائعة التي فرضت نفسها على العالم وتمكنت من إفشال واحدة من أهم الغزوات التي تعرضت لها هذه الأمة طوال قرون.
كان العراق من أسرع الدول التي تعرضت للاحتلال إطلاقاً للمقاومة، وهذا خلاف ما بشّر به أذناب الغزاة الذين وعدوا أسيادهم ببلد يستقبلهم أبناؤه بالورود.
لن ندرك عظمة الإنجاز الذي حققته المقاومة إلا حين نتخيل المشهد لو صدقت وعود الأذناب واستكان العراق لمحتليه. لو وقع ذلك لتمكن الغزاة من فرض مشروع الانتداب على العراق، ولانطلقوا من بعده إلى إعادة تشكل المنطقة كما هو المخطط الذي كان ينبغي أن ينتهي بتنصيب دولة الاحتلال الصهيوني سيدة على المنطقة.
في مقابل مشهد المقاومة الرائع كان مشهد العمالة الذي مثلته قوىً جاءت على ظهر دبابة الاحتلال، وأخرى مغامرة قصيرة النظر سارت في ركابه بمبررات واهية وتخريجات بائسة، وهو مشهد لم يقدم للعراق والعراقيين غير التقسيم الطائفي والقتل على الهوية والدمار والمعاناة على مختلف المستويات.
بعد خمس سنوات من العمل السياسي في ظل الاحتلال لا نعثر سوى على عراق مقسم يقتل بعضه بعضاً وينهب بعضه بعضاً، تقوده مجموعات من المغامرين الذين يركبون أمواج الطائفية لتبرير وجودهم وحماية مصالحهم، ولولا المقاومة الشريفة، وبعض القوى والهيئات المصممة على وحدة العراق وهويته العربية والإسلامية، لكان اليأس هو عنوان تعاطينا مع الشأن العراقي.
الآن، وبعد خمس سنوات يبدو المشهد أكثر تعقيداً، فالمقاومة لم تعد بذات المستوى الذي كان، لاسيما بعد أن نجح الغزاة في تكريس سياسة فرق تسد بين العراقيين بمختلف طوائفهم، وداخل كل طائفة على حدة، فكانت الصحوات التي عملت ضد المقاومة وتحالفت مع الاحتلال، ولا قيمة بالطبع لحديث حرب القاعدة، لأن من يريد التصدي لخصم داخلي لا يبيع نفسه للاحتلال.
في المقابل عبث المحتلون حتى بالمتعاونين معهم، وها هم يتعاركون داخل الطرف الشيعي وداخل الطرف السني، بينما يخطبون ود المحتل وينتظرون وعوده، أما العراقيون فيعيشون بين رحى هؤلاء وهؤلاء ينتظرون وعوداً لا يتحقق منها شيء.
لم تنته الحكاية بعد، صحيح أن الغزاة يسجلون بعض النجاحات، لكن فشلهم وخسائرهم المالية والبشرية كانت رهيبة، بينما ما يزال مشهد المقاومة فاعلاً على الأرض، أما الأهم فهو أن فضيحة الغزاة وأذنابهم باتت مكتملة، ولا مجال لتمرير دعاوى الحرية والديمقراطية، ما يعني أن المقاومة ستتجدد وتتواصل حتى يعود العراق حراً موحداً وفياً لهويته العربية والإسلامية، لا مكان فيه للغزاة وأذنابهم.
هي رحلة قد تطول، لكن نهايتها معروفة لمن يقرأون التاريخ ويعرفون هذه الأمة وما تختزنه من قوة وإرادة تنبع من إيمانها بربها العظيم وعقيدتها الرائعة. لقد مرّ على هذه الأمة غزاة كثر، لكنهم ما لبثوا أن اندحروا بعد حين والغزاة الأمريكان وقبلهم الصهاينة لن يكونوا استثناءً بحال.