الكتاب المدرسي العربي رهينة الخلاف السياسي والتدخل الغربي

كتبهاعبد الرؤوف ، في 24 سبتمبر 2007 الساعة: 19:40 م

الكتاب المدرسي العربي رهينة الخلاف السياسي والتدخل الغربي
اتفاق على تحرير المناهج الدراسية من سلطة الحكومات



اتفق خبراء التربية الذين تجوّلت بينهم ”الخبر” على ضرورة تحرير الكتاب المدرسي من رقابة الحكومات واحتكارها وفتح صفحاته للمبادرات الخاصة حتى يصبح نافذة مفتوحة على كل التيارات والإشعاعات تقدم للتلميذ والأستاذ، على حد سواء· ومن جهة أخرى يختلف تصور هؤلاء للكتاب المدرسي في محتواه وشكله وأهدافه اختلافات تبدو جوهرية في كثير من الأحيان وتثير أسئلة حول جدوى إصرار الحكومات على فكرة منهج مدرسي موحد عربيا؟ في وقت مازالت السياسات العربية لا تطيق بعضها البعض، ثم هل يمكن أن ترسم هذه الدول لنفسها خطوطا عريضة مشتركة بعيدا عن التصورات القادمة من الخارج، أم أن البرامج التربوية التي تلقن للطفل العربي ما زالت لا تخدم عقلية التوحد والوحدة بقدر ما تزيد من هوة الانفصال والابتعاد عن الآخر؟
د· أنيسة داودي: (أستاذة في جامعة بريطانيا باحثة في اللغة)
”كاتب ياسين وبوجدرة حاضران في الكتاب الإنجليزي”
حاولت من خلال الكتب المدرسية للإنجليزية إظهار إيجابياتها حينما اعتبرت اللغة الإنجليزية وسيلة للوصول إلى المعرفة وليس هدفا، عكس الكتب القديمة التي كانت تعنى بتدريس الإنجليزية كثقافة وتقديم كل ما له علاقة بالإنجليزية· اليوم أصبحت هذه الكتب متفتّحة على النصوص العالمية المكتوبة بالإنجليزية مثل الأدب الإفريقي عن طريق نصوص لـ ”أشيدي” ذات القيمة الحضارية والإنسانية· وهي نصوص تدعو إلى الاعتزاز بالنفس والعمل ونبذ الظلم والاستبداد كذلك تدرج المقررات نصوص مثل ألف ليلة وليلة إلى جانب نصوص ”شارل ديكنز” و”مارك توين”··· وتشير الكتب نفسها إلى كتاب جزائريين مثل كاتب ياسين وبوجدرة عبر صورة لهؤلاء الأعلام الأدبية الجزائرية، ولكن دون نصوصهم الأدبية· ومن إيجابيات الكتاب الإنجليزي، أيضا انه يعمل بالنظريات الحديثة المطبّقة في بريطانيا أو غيرها بشكل يتلاءم مع القيم الاجتماعية سواء بإنجلترا أو غيرها· فيما يخص الاختلاف الذي نسجله نحن العرب في صياغة كتاب مدرسي موحد يعود إلى الاختلافات السياسية، فنحن لم نتفق بعد على مصطلحات موحدة· وبالتالي أتصور أن الكتاب النموذجي هو الذي يخاطب فكر وعقل الطالب· وهو الكتاب الذي يواكب العصر، لكن تبقى أهميته مقترنة بمدى تعامل المعلم الجيد مع محتوى الكتاب· وهنا تظهر أهمية التكوين الدوري بالنسبة للمعلمين من اجل إيجاد أحسن طريقة لتوصيل المعلومة للطفل·
د· محمد العريبي (دكتوراه فلسفة كاتب - لبنان)
”مناهجنا العربية مستوردة”

تعود الخلافات في شكل الكتاب المدرسي إلى الخلافات الأساسية في النظم السياسية للدول العربية؛ فكل سلطة في أي بلد تحاول إعادة إنتاج نفسها من خلال الكتاب المدرسي· لهذا يأتي الكتاب في أشكال مختلفة، علما أن مبدأ الكتاب في حد ذاته حاليا أصبح مرفوضا، خصوصا عند تطبيق ما يسمى بـ”الطرائق الناشطة”؛ لأن المناهج تعطي الإطار العام أما التفاصيل الموجودة حاليا في الكتب المدرسية فيضعها الأستاذ والتلميذ سويا· فكرة تقديم كتاب محدد معناه تقييد العملية التعليمية، ومنه إفقاد الإنسان دوره وحتى التلميذ في إنتاج المعارف· المناهج الجديدة هي الأخرى مازالت تعتمد على الطرائق القديمة في التلقين؛ لأن هناك تناقضا بين الطرائق الناشطة ووجود الكتاب نفسه· مما يعني أنه لا ضرورة لوجود كتاب واحد يعمم على كل العالم العربي· فهناك إمكانية لوضع منهاج واحد ويترك لكل مجموعة انطلاقا من خصوصيتها أن تضع التفاصيل المتعلقة بهذا المنهج·· المناهج الموجودة حاليا في العالم العربي مستوردة بحسب المواصفات التي يضعها المنتج غير العربي طبعا، بل أكثر من ذلك، المناهج الموضوعة حاليا كانت بإشراف خبراء تربويين ليسوا عربا، إما موفدين من البنك الدولي أو من السوق الأوروبية المشتركة أو الكومنويلث إذا كانت لها علاقة ببريطانيا· بمعنى أننا لسنا نحن الذين نحدد المناهج التي نريد تطبيقها وتعطي لكل بلد على نحو يجعل هناك خلافا مع بلد آخر بما يتفق والمصالح الخاصة بالمرسل أو المشرف أو الذي يحدد الأطر أو المنهج لكل بلد· وإذا حصل هناك تصور موحد لمنهج تعليمي عربي ما بين الخبراء التربويين العرب أساسا بغض النظر عن تفاصيل تطبيقاته، يمكن الوصول إلى إيجاد إطار عام يوحد·· لبنان اليوم مازال موجودا بسبب الوحدة الثقافية، رغم الاختلافات السياسية· بعض الدول العربية لم تجدد مناهجها وهي تركز على وجوب تغيير هذه المناهج في هذه البلدان، وإلا وقعوا تحت قصاص معين··· منهاج يحتاج إلى قيم جديدة تناسب هذا النظام العالمي الجديد، علما أننا لسنا مؤثرين وفاعلين، بل تصاغ لنا هذه القيم التي تجعلنا ضمن هذا الإطار المرسوم لنا من الخارج·

مختار بن عبد اللاوي (أستاذ جامعي عضو اللجنة الوزارية المكلفة باختيار البرامج المدرسية - المغرب)
كل كتاب قابل للتغيير
هناك سببان أساسيان لاختلاف الكتاب المدرسي عربيا أولهما سبب أيديولوجي يتأسس على اعتبارين أحدهما مشروع يخص رؤية كل دولة لمشروعها المجتمعي، أما الاعتبار الثاني فقد لا يكون مشروعا أحيانا· وهي سمة الرقابة التي تحاول كل دولة أن تمارسها على مقرّراتها· أما السبب الثاني فبيداغوجي يخص المقاربات البيداغوجية للعملية التربوية: هل نختار مقاربة بالكفاءات أم مقاربة بالأهداف أم نختار مقاربة متعددة الأبعاد· فعلى المستوى البيداغوجي المفتشون يقدمون مقاربتهم الخاصة وما يرونه الأفضل والأنجع على المستوى التربوي للتلميذ في بلد معين· هذان هما السببان اللذان يفسران الاختلاف في المقررات المدرسية؛ ولا يوجد كتاب نموذجي لسبب بسيط أن المناهج تتطور والسياقات الاجتماعية تختلف من بلد إلى بلد آخر· وبالتالي كل كتاب مهما كان مفيدا ومهما كان جيدا قابل للتغيير· ثم هناك محيط مجتمعي دائم·· في رأيي الكتاب الجيد هو الذي تتوفر فيه ثلاث مكونات فاعلة داخله:
 - الجانب الحكومي (سلطة وزارة التربية)، 2 الخبراء البيداغوجيون الذين راكموا معارف جيدة في المجال والذين يمكنهم الخروج بتقييم جوانب نجاح أو إخفاق المفتشين، 3 المجتمع المدني من جمعيات أولياء التلاميذ وجمعيات المفتشين··· كل هذه الأطراف يجب أن تساهم في أي مشروع يريد أن يخرج بكتاب مدرسي ناجح·
عامر مخلوف
(أستاذ جامعي وناقد) ـ سعيدة
”ترك الحرية في إنتاج الكتب للأفراد والجماعات”
المشكلة الأساسية للكتاب المدرسي، في تقديري، هي اعتمادنا على كتاب واحد نقترحه على الأساتذة والتلاميذ بنص واحد، بينما تدلنا التجارب الناجحة -من المفروض- على ترك الحرية في إنتاج الكتب للأفراد والجماعات، وأن تكون هناك لجنة وطنية تصادق ليس على كتاب واحد، ولكن على مجموعة من الكتب ليبقى الخيار للمؤسسة التربوية لتتبنى واحدا من هذه الكتب، لأن في هذا حافزا للناس على التنافس والاجتهاد والإنتاج من جهة، ومن جهة أخرى تكون للأستاذ وللطالب الحرية في اختيار الكتاب والنص الذي يريدان· وهي تجارب برهنت على نجاحها في كندا والمغرب وغيرها من البلدان، ولا بأس في اعتمادها مادام هناك مختصون قادرون على اقتراح كتب ومناهج، ومستعدون للعمل والاقتراح· أما السيادة، فتبقى بطبيعة الحال للدولة من خلال لجنتها الوطنية·· أما إعادة النظر في تركيبة هذه اللجنة الوطنية، فيعود الأمر إلى الوزارة الوصية المطالبة باختيار عناصر ذات كفاءة·· الكتاب المدرسي يعاني من مشكلة اختيار النصوص التي تعود مهمتها إلى هذه اللجنة، لكن يحدث أن هذه الأخيرة ليست مؤهلة وليست مختارة على الوجه المطلوب·· عموما يعاني الكتاب المدرسي من سوء تقييم ومن التخطبط المتسرّع والمستعجل لمضامينه؛ فكتاب السنة الثانية شعبة آداب وفلسفة دليل على الأخطاء الجسيمة التي مازال طلابنا يستهلكونها، رغم التقرير الذي رفعته مجموعة من المفتشين إلى الوصاية، لكن دون إجراءات فعلية تسحب هذا الكتاب فورا ومعاقبة المسؤولين·· انتقالنا من تجربة إلى أخرى من غير تقييم التجارب السابقة، انتقلنا من التعليم الأساسي، ثم جربنا التدريس بواسطة الأهداف إلى التعليم عن طريق الكفاءات، لكن الواقع يدل أن أغلب الناس في المنظومة التربوية لم يستوعبوا هذه الطرق أو غيرها· أنا ضد الكتاب أو النص الواحد·

إبراهيم بن صالح (متفقّد عام للتربية، تونس)
”لا أميل كثيرا إلى مسألة توحيد المناهج أو الكتاب المدرسي”
تتنوّع وجهات النظر وتختلف إلى حد التناقض في بعض الأحيان عن مضمون وإخراج الكتاب المدرسي، وجهات النظر هذه تشكل ثراء في التجربة وتعكس رؤية مجتمعية منشودة تخص كل قطر عربي على حدة· أنا لا أميل كثيرا إلى مسألة توحيد المناهج أو الكتاب المدرسي، وإنما أقول أنا مع تقريب وجهات النظر والاتفاق على جملة من المبادئ والقيم العليا التي تجمعنا· أما بناء الكتب المدرسية فيمكن أن يكون فيها الاختلاف؛ لأن الأقطار العربية تتنوع وتختلف وينبغي أن تتوفر في كل كتاب مدرسي بعض الخصوصيات التي تتّصل بكل قطر؛ لأن التلميذ العربي في تونس يجب أن يجد أشياء تتحدث عنه تبقيه على صلة بواقعه اليومي، كذلك الجزائري يجب أن نوفر له كل ما له علاقة بأدبه حتى نشده إلى واقعه دون أن يتقوقع على نفسه، بل ينفتح على الآخر·· التجربة التونسية تجربة أصيلة جدا بتصورات خبراء تونسيين يفكرون في تلبية حاجيات تونسية؛ فنحن لسنا مدعوين إلى استيراد أشياء من الغرب، نحن نستفيد فقط من الوسائل التعليمية الأجنبية، نرى درجات التقدم عند الآخر لكن لا ننقل حرفيا وبالنص ما يمارسه غيرنا· الكتاب المدرسي عندنا تشرف عليه وزارة التربية والتكوين التونسية يعرض على التلميذ بأسعار منخفضة جدا بدعم كبير من الدولة على عكس الدول الأخرى؛ حيث يتكفل القطاع الخاص بمهمة نشره·
 
 نبيل سليمان (روائي وناقد - سوريا)
”التعليم العربي لا يتعامل كثيرا مع الخصوصيات”
السائد أن تتطابق وجهات النظر والقراءات والمواقف وكثيرون يفضلون ذلك، وأنا من الذين يفضلون الاختلاف· وإذا كان من سمة بارزة لهذه الندوة فهي تعدد وجهات النظر والمداخل والمقاربات والمناهج وحتى المناقشات الكثيرة والمتفاوتة كان يسعدني هذا التباين وتقاطع الأفكار في التحليل وتشخيص المشكلة وتحديد أسبابها واقتراح حلول ما·· علينا أن نتعود على الاختلاف البعيد عن المشاجرات والشعور بامتلاك الحقيقة المطلقة·
الإلحاح على وجود نموذج موحد لكتاب مدرسي أتفهمه وله مقوماته، وهي مقومات لغوية بالدرجة الأولى·· طبعا هناك تشابه كبير بين المشاكل المجتمعية، مشكلة الناشئة والمربين والتكوين، لكن في نفس الوقت علينا أن نقر بأن هناك خصوصيات وفروقا ليس بين دولة ودولة فقط، وإنما ضمن الدولة الواحدة·· عموما التعليم العربي يقفز فوق الفرو قات الدقيقة ولا يتعامل كثيرا مع الخصوصيات، وبالمقابل هناك من يظن أن متى رسمت هذا الحد بين نقطة ونقطة يظن انه مقدّسا وأبديا لن ننسى لحظة أن هذه الحدود أقيمت منذ 50 أو 100 سنة بين الدول العربية· من جهة علينا أن لا ننجر إلى تقديس هذه الحدود بحيث نظن أن خلفها توجد الخصوصية المطلقة في التربية والتعليم··· وليس من حقنا أن نتجاهل وجود بعض الخصوصيات داخل هذه الحدود خاصة القديمة منها أو ضمن المجتمع الواحد، أي هل يمكن أن أغفل نظري عن فارق ما بين الصعيد أو دلتا في مصر أو بين شرق سوريا القريب إلى غرب العراق وبين الساحل السوري··· بالتأكيد مناك تلوينات وتنوع يغفلها الكتاب المدرسي عادة، وأظن أن الانتباه إليها سيثري ويخصب الكتاب المدرسي·

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تعليم | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “الكتاب المدرسي العربي رهينة الخلاف السياسي والتدخل الغربي”

  1. الموضوع يحتاج فعلا إلى أكثر من قراءة وإعادة قراءة… شكرا عموما على هذا الموضوع الهام.. فقط لماذا لا تقحمون أفسكم أنتم أهل الإختصاص وبسلطة العلم والكفاءة على أصحاب القرار في البلدان العربية لاقتراح مناهج وبرامج وكتب على الوزارات ؟ أين نصيب المثقف العربي والمبدع العربي من الكتب المدرسية ؟ حتى عمالقة الأدب والفن والعلوم العرب والمسلمين منهم لا نكاد نجد لهم أثرا في كتبنا المدرسية !! اللوم كل اللوم علينا جميعا : أساتذة ومفتشين وآباء ومؤطرين .. وشكرا : الأستاذ محمد الصالح الجزائري.. سلام



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر