محمود درويش الذي عرفت
كتبهاعبد الرؤوف ، في 12 أغسطس 2008 الساعة: 08:58 ص
محمود درويش الذي عرفت
عبد الباري عطوان
عبد الباري عطوان
yesterday’s story

عندما التقيته للمرة الأخيرة، قبل ثلاثة أسابيع، على مائدة عشاء في مطعم ايطالي اختاره بعناية في جادة ‘سان جرمان’ المفضلة للشعراء والكتّاب والمثقفين في العاصمة الفرنسية ‘باريس’، وبحضور الصديق المشترك، الناقد والأديب صبحي الحديدي، كان محمود درويش قلقاً لسببين، الأول أن القنصلية الأمريكية في القدس المحتلة لم تمنحه تأشيرة دخول (فيزا) لمراجعة المستشفى المتخصص بالشرايين في هيوستن رغم أنه تقدم بطلب في هذا الخصوص قبل أربعة أشهر، والثاني ان نتائج الفحوص الأخيرة التي أجراها لدى طبيبه في باريس لم تكن مطمئنة، فالشريان الأورطي متضخم ويمكن أن ينفجر في أي لحظة، ولا علاج إلا بعملية زرع اخرى، ولكن العملية مثلما قال له الطبيب الفرنسي تعني أحد أمرين.. الموت أو الشلل شبه الكامل. سألني بغتة عما اذا كان جسمي مؤلفا للكوليسترول مثل جسمه.. لم يتركني أجيب وواصل قائلا بأن عقله يكتب الشعر، وجسمه ‘يؤلّف’ الكوليسترول اللعين، ويبدو… واصل مازحاً، أن انتاج الجسم أغزر كثيراً من انتاج العقل، ولكنه انتاج قاتل للأسف.
غيّرنا موضوع الحديث، وانتقلنا إلى موضوع تأشيرة الدخول التي ينتظرها، ويستعجلها، وكأنه يستعجل شهادته، ولقاء ربه، كان غاضباً على الأمريكان، ومعاملتهم له وكأنه زوج ابنة اسامة بن لادن أو أخته، أخذوا بصماته، وطلبوا منه توقيع عدة طلبات مرفوقة برزمة من التحاليل الطبية والرسائل المتبادلة مع المستشفى الأمريكي، ومع ذلك ورغم وساطة ‘الرئيس’ محمود عباس، وتدخل السيدة كوندوليزا رايس مثلما همس البعض في أذني لاحقاً، فقد كان الجواب دائماً بأن الرد لم يأت بالموافقة من وزارة الأمن الداخلي، وعليه الانتظار. امتد بنا الحديث في ردهة فندقه المفضل، وهو بالمناسبة الفندق نفسه الذي كان يرتاده الراحل ادوارد سعيد، حتى الساعة الثانية والنصف صباحاً، وشعرت انه يخشى الليل ويستعجل الصباح، أو ربما أراد أن يطيل أمد اللقاء، والأحاديث عن شعراء قصيدة النثر الذي قال انهم دمروا الشعر، ووصفهم بالفدائيين الذين يملكون جرأة غير عادية في القاء شعرهم في قاعات خالية إلا من بعض اصدقائهم وزوجاتهم وبعض الأقارب.
كان يخشى هؤلاء، ويبتعد عن الصدام معهم فهم مراكز قوى مدججة بالأسلحة، أو ‘مافيات’ تهيمن على الصفحات الثقافية في الصحف والمجلات العربية، ويجاملون بعضهم البعض، ويكرهون بعضهم البعض، واذا تصالحوا فلفترة قصيرة كان يسميها ‘تحالفات الخمس دقائق’، ولكنهم والرأي للمرحوم محمود، يتوحدون ضد غيرهم من شعراء الوزن والموسيقى، ناهيك عن شعراء القوافي. قلت له سنلتقي في باريس لنحتفل بسلامتك، عندما تتوقف فيها في طريق عودتك، وفي المطعم نفسه المتخصص بطبق الحبّار الذي تحب، نظر إليّ وقال ‘إذا عدت’، ثم تساءل: لا أعرف ما إذا كنت سأوافق على العملية الجراحية أم لا، ولكن الشيء الوحيد الذي أعرفه أنني لن أعود ‘مشلولاً’، فإما في تابوت أو سيرا على قدمي.
افترقنا في اليوم التالي، عاد الى رام الله عن طريق عمّان، وعدت إلى لندن، ليهاتفني بعد ثلاثة أيام بأنه وجد الفيزا في انتظاره، وأنه سينطلق مع أواخر شهر تموز (يوليو) إلى هيوستن وبصحبته صديقه الصدوق أكرم هنية رئيس تحرير صحيفة ‘الأيام’ الفلسطينية، وسألني عن أصداء قصائده التي خص بها ‘القدس العربي’، فشرحت له كمّ الردود الهائلة عليها في موقعنا الالكتروني، وشعرت كم كان مرتاحاً وسعيداً.
محمود درويش كان دائماً يعيش حالة قلق كلما كتب قصيدة جديدة، وكأنها القصيدة الأولى التي يكتبها في حياته، يسأل عما اذا كانت جيدة، وتصلح للنشر، فننهره بمودة، ونستغرب أسئلته هذه، ولكنه يقسم، وهو صادق، انه لا يعرف ما اذا كانت جيدة أم لا، ويريد رأينا قبل النشر وبعده، ثم بعد ذلك تدخل الطمأنينة إلى قلبه المتعب.
لم نعرف أن الحكومة الأمريكية اسدت إلينا معروفاً كبيراً عندما تلكأت في منحه الفيزا، فقد ابقته بيننا أربعة شهور، انجز خلالها اثنتين من أعظم قصائده، وشارك في عدة أمسيات احداها في رام الله، والثانية اقيمت في ملعب كرة قدم في جنوب فرنسا، ومحاضرة في باريس وسط نخبة من كبار الأدباء الفرنسيين، فقد يأتي الخير من باطن الشر الأمريكي.
لم يحدث أن اسيء فهم شخص في الثقافة العربية مثل محمود درويش، حيث ظلت تهمة الغرور تلاحقه من قبل الكثيرين، ولكنه لم يكن مغروراً ولا متكبراً، وانما شخص ‘خجول’ لا يفضل الاختلاط كثيرا بمن لا يعرف، ويتجنب الثناء والاطراء، وهو الذي يملك أرصدة ضخمة منهما على امتداد حياته الادبية. فهو لا يستطيع، كما كان يقول لي دائماً، أن يكون صديقاً للملايين من معارفه ومحبيه، ويحتاج إلى الخصوصية التي يتقوقع في داخلها في لحظات حياته بعيداً عن الأضواء.
عندما كان يقيم في باريس، وبالذات بعد استقالته من عضوية اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية احتجاجاً، ورفضاً، لاتفاقية أوسلو، واجه ظروفاً مالية صعبة جداً، فقد قرر الرئيس الراحل ياسر عرفات وفي خطوة مؤسفة، وقف الغالبية العظمى من مخصصاته المالية، ومن بينها أجرة الشقة المتواضعة التي كان يعيش فيها (غرفتان وصالة)، وكان بيننا اتصال هاتفي يومي في الساعة الثانية عشرة بتوقيت لندن، وفي احدى المرات، ولظروف قاهرة تتعلق بمشاكل مادية واجهتنا في الصحيفة استدعت قدوم محصلي الديون لمصادرة اجهزتنا وطاولاتنا وما تبقى من اثاثنا الهرم، لم اهاتفه كالعادة لمدة يومين فاتصل بي في اليوم الثالث غاضباً ومزمجراً بسبب انقطاعي عن الاتصال.
فاجأني عندما قال انه يعيش على هذه المكالمة اليومية، فهو لم يعد يستقبل غير مكالمتين فقط، الأولى مكالمتي المعتادة، والثانية من شخص عابر سبيل، وتساءل هل طلبتني في أي يوم من الأيام ولم تجدني، قلت لا.. قال معنى هذا أنني لا أخرج من البيت لأني لا أملك ما يجعلنى أخرج إلى القهوة أو المطاعم فقطعاً سيلتف حولي المحبون، ولا استطيع دفع الفاتورة. شعرت بالصدمة، فهذا الشاعر الكبير لا يجد من يهاتفه، وربما أحس بهذا التساؤل في ذهني، وقال: الأمر بسيط جداً: لا نقود.. ولا نفوذ.. ولا يهود.. وشرح لا نقود لأن الرئيس عرفات أوقف مخصصاته، ولا نفوذ أي لم يعد عضواً في اللجنة التنفيذية وقريباً من الرئيس مما يمكنه من حل مشاكل المحتاجين أو توظيف بعضهم، وأخيراً لا يهود.. أي أنه ليس منخرطاً في المفاوضات التي كانت على أشدها، حتى يكون في قلب الحدث الاعلامي والسياسي.
محمود درويش واجه ‘خيبات أمل’ كثيرة في حياته، ولكن أبرزها في رأيي، خيبة أمله في الشعب الفلسطيني عندما لم يثر غاضباً ضد اتفاقات اوسلو، فقد توقع هذه الغضبة، واراد ان يكون مع الشعب، لا مع الموقعين عليها، ولكن هذا الشعب فاجأه عندما رقص في معظمه طرباً، وصدق ‘أكاذيب’ قيادته بأن السلام قادم والدولة الفلسطينية المستقلة على بعد أربع سنوات فقط.
خيبة الأمل هذه اجبرته على ان يخفف من معارضته، وأجبرته ان يعود الى رام الله لانه لم يعد يستطيع العيش في باريس، وحتى لا يتهم بانه، وهو أحد المتشددين في الاصرار على حق العودة، رفض ممارسة هذا الحق عندما سنحت له الفرصة، مضافا الى ذلك ان معظم اصدقائه في تونس عادوا ولا يريد ان يتخلف عن الركب، وحرص ان يترك مسافة بينه وبين السلطة.
اما خيبة الأمل الثانية فتمثلت في رأيه بالأداء الفلسطيني، والفشل الكامل في اقامة المؤسسات والحكم النموذجي الذي كان يأمله، وفوق كل هذا انهيار المشروع الوطني الفلسطيني الذي كانت تبشر به السلطة وقادتها واتساع دائرة الفساد المالي بصورة مرعبة، وقال لي في احدى المرات ان امنيته ان يهاجر مرة اخرى الى باريس ويعيش في استديو صغير (غرفة واحدة) ويقضي بقية حياته هناك، ولكن ما يمنعه هو الخوف من الاتهام بانه يرفض الوطن، والتضحية من اجله.
محمود درويش استقال من كل مؤسسات منظمة التحرير، واعاد اصدار مجلة ‘الكرمل’، ورفض كل ضغوط الرئيس الراحل عرفات لتوزيره في حكومة السلطة، وفضل ان تكون دائرته في رام الله صغيرة جدا، محصورة في مجموعة اصدقاء، بعضهم شعراء وكتاب، واكثرهم من الناس العاديين البعيدين عن الوسط الثقافي. لانه كان يبحث عن الجلسة المرحة للهروب من ضغوط مرضه، وامراض المثقفين المستعصية، من غيرة وحسد ونميمة مثلما كان يقول.
كان يكره القيود، ولهذا لم يتزوج ثالثة، كان يكره ان تشاركه امرأة حياته، وكان يفضل دائما ان يكون سريره مملكته، كنا نلتقي بصفة دورية في باريس، وكان يحب الحديث عن النساء ومغامراته، وفي احدى المرات سألته كيف تطلق ‘فلانة’ بعد ستة اشهر وبهذه السرعة، قال لي: وهل تعتقد ان ستة اشهر فترة قصيرة، لقد طوّلت اكثر من اللازم.
محمود درويش أحب العرب جميعا، ولم يكن غريبا ان تكون اقوى قصائده في بواكيره الاولى ‘سجل انا عربي’، وكان يشعر بمودة خاصة تجاه ابناء المغرب العربي الذين بادلوه الحب بحب اسطوري، ولذلك لم يتردد في قبول دعواتهم لإلقاء اشعاره في تونس والجزائر والمغرب في فترات متقاربة.
ربما تكون المملكة العربية السعودية من الدول القليلة التي لم يزرها مطلقا، وهناك قصة غريبة وراء ذلك، فقد جاء احدهم يفاتحه قبل عشرين عاما بدعوة لحضور مهرجان الجنادرية الثقافي السنوي في وسط نجد، وعندما سئل عن الجهة المنظمة قالوا له انها ‘الحرس الوطني’، فقال وما علاقة العسكر بالثقافة، ألا توجد رابطة او نقابة او هيئة تتولى هذه المهمة غير الحرس الوطني؟ وكانت هذه الكلمات نهاية العرض.
كان مولعا بالتدخين، وبعد عمليته الجراحية الاولى التي تكللت بالنجاح، قال له الطبيب ان اول شيء يجب ان يفعله ان يتوقف عن التدخين، فقال له دعنا ‘نتفاوض’، فقال له الطبيب لا مفاوضات ولا تنازلات، فرد عليه: واذا توقفت عن التدخين ماذا سيحدث؟ فقال الطبيب: سيطول عمرك عدة سنوات، فقال له: سأستمر في التدخين، وليقصر عمري، لانه يعني تقصير شيخوختي. ولكنه اضطر للتوقف كليا بعد عمليته الثانية، وظل يجلس بالقرب من المدخنين ليستنشق ما هو محروم منه.
محمود درويش لم يعش الشيخوخة مطلقا وغادرنا وهو في قمة عطائه وعنفوانه وأناقته، وشخصيته المحببة، وتعليقاته الساخرة اللاذعة، شيء واحد لم يحققه، وهو الذي دخل قلوب وعقول الملايين، عدم حصوله على ‘جائزة نوبل’ التي ترشح لها عدة مرات في السنوات الاخيرة.
بعد محمود درويش لن يكون الشعر بالقوة نفسها او بالسحر نفسه، سيكون شعرا مختلفا، فبرحيله رحلت ظاهرة شعراء يملأون ملاعب كرة القدم بالمعجبين والمعجبات، ليس في الوطن العربي وانما في المنافي الاوروبية.
خسرته صديقا عزيزا، ورمزا من رموز هذه الأمة التي ربما لن تتكرر الا بعد قرون. محمود درويش اقول وداعا.
غيّرنا موضوع الحديث، وانتقلنا إلى موضوع تأشيرة الدخول التي ينتظرها، ويستعجلها، وكأنه يستعجل شهادته، ولقاء ربه، كان غاضباً على الأمريكان، ومعاملتهم له وكأنه زوج ابنة اسامة بن لادن أو أخته، أخذوا بصماته، وطلبوا منه توقيع عدة طلبات مرفوقة برزمة من التحاليل الطبية والرسائل المتبادلة مع المستشفى الأمريكي، ومع ذلك ورغم وساطة ‘الرئيس’ محمود عباس، وتدخل السيدة كوندوليزا رايس مثلما همس البعض في أذني لاحقاً، فقد كان الجواب دائماً بأن الرد لم يأت بالموافقة من وزارة الأمن الداخلي، وعليه الانتظار. امتد بنا الحديث في ردهة فندقه المفضل، وهو بالمناسبة الفندق نفسه الذي كان يرتاده الراحل ادوارد سعيد، حتى الساعة الثانية والنصف صباحاً، وشعرت انه يخشى الليل ويستعجل الصباح، أو ربما أراد أن يطيل أمد اللقاء، والأحاديث عن شعراء قصيدة النثر الذي قال انهم دمروا الشعر، ووصفهم بالفدائيين الذين يملكون جرأة غير عادية في القاء شعرهم في قاعات خالية إلا من بعض اصدقائهم وزوجاتهم وبعض الأقارب.
كان يخشى هؤلاء، ويبتعد عن الصدام معهم فهم مراكز قوى مدججة بالأسلحة، أو ‘مافيات’ تهيمن على الصفحات الثقافية في الصحف والمجلات العربية، ويجاملون بعضهم البعض، ويكرهون بعضهم البعض، واذا تصالحوا فلفترة قصيرة كان يسميها ‘تحالفات الخمس دقائق’، ولكنهم والرأي للمرحوم محمود، يتوحدون ضد غيرهم من شعراء الوزن والموسيقى، ناهيك عن شعراء القوافي. قلت له سنلتقي في باريس لنحتفل بسلامتك، عندما تتوقف فيها في طريق عودتك، وفي المطعم نفسه المتخصص بطبق الحبّار الذي تحب، نظر إليّ وقال ‘إذا عدت’، ثم تساءل: لا أعرف ما إذا كنت سأوافق على العملية الجراحية أم لا، ولكن الشيء الوحيد الذي أعرفه أنني لن أعود ‘مشلولاً’، فإما في تابوت أو سيرا على قدمي.
افترقنا في اليوم التالي، عاد الى رام الله عن طريق عمّان، وعدت إلى لندن، ليهاتفني بعد ثلاثة أيام بأنه وجد الفيزا في انتظاره، وأنه سينطلق مع أواخر شهر تموز (يوليو) إلى هيوستن وبصحبته صديقه الصدوق أكرم هنية رئيس تحرير صحيفة ‘الأيام’ الفلسطينية، وسألني عن أصداء قصائده التي خص بها ‘القدس العربي’، فشرحت له كمّ الردود الهائلة عليها في موقعنا الالكتروني، وشعرت كم كان مرتاحاً وسعيداً.
محمود درويش كان دائماً يعيش حالة قلق كلما كتب قصيدة جديدة، وكأنها القصيدة الأولى التي يكتبها في حياته، يسأل عما اذا كانت جيدة، وتصلح للنشر، فننهره بمودة، ونستغرب أسئلته هذه، ولكنه يقسم، وهو صادق، انه لا يعرف ما اذا كانت جيدة أم لا، ويريد رأينا قبل النشر وبعده، ثم بعد ذلك تدخل الطمأنينة إلى قلبه المتعب.
لم نعرف أن الحكومة الأمريكية اسدت إلينا معروفاً كبيراً عندما تلكأت في منحه الفيزا، فقد ابقته بيننا أربعة شهور، انجز خلالها اثنتين من أعظم قصائده، وشارك في عدة أمسيات احداها في رام الله، والثانية اقيمت في ملعب كرة قدم في جنوب فرنسا، ومحاضرة في باريس وسط نخبة من كبار الأدباء الفرنسيين، فقد يأتي الخير من باطن الشر الأمريكي.
لم يحدث أن اسيء فهم شخص في الثقافة العربية مثل محمود درويش، حيث ظلت تهمة الغرور تلاحقه من قبل الكثيرين، ولكنه لم يكن مغروراً ولا متكبراً، وانما شخص ‘خجول’ لا يفضل الاختلاط كثيرا بمن لا يعرف، ويتجنب الثناء والاطراء، وهو الذي يملك أرصدة ضخمة منهما على امتداد حياته الادبية. فهو لا يستطيع، كما كان يقول لي دائماً، أن يكون صديقاً للملايين من معارفه ومحبيه، ويحتاج إلى الخصوصية التي يتقوقع في داخلها في لحظات حياته بعيداً عن الأضواء.
عندما كان يقيم في باريس، وبالذات بعد استقالته من عضوية اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية احتجاجاً، ورفضاً، لاتفاقية أوسلو، واجه ظروفاً مالية صعبة جداً، فقد قرر الرئيس الراحل ياسر عرفات وفي خطوة مؤسفة، وقف الغالبية العظمى من مخصصاته المالية، ومن بينها أجرة الشقة المتواضعة التي كان يعيش فيها (غرفتان وصالة)، وكان بيننا اتصال هاتفي يومي في الساعة الثانية عشرة بتوقيت لندن، وفي احدى المرات، ولظروف قاهرة تتعلق بمشاكل مادية واجهتنا في الصحيفة استدعت قدوم محصلي الديون لمصادرة اجهزتنا وطاولاتنا وما تبقى من اثاثنا الهرم، لم اهاتفه كالعادة لمدة يومين فاتصل بي في اليوم الثالث غاضباً ومزمجراً بسبب انقطاعي عن الاتصال.
فاجأني عندما قال انه يعيش على هذه المكالمة اليومية، فهو لم يعد يستقبل غير مكالمتين فقط، الأولى مكالمتي المعتادة، والثانية من شخص عابر سبيل، وتساءل هل طلبتني في أي يوم من الأيام ولم تجدني، قلت لا.. قال معنى هذا أنني لا أخرج من البيت لأني لا أملك ما يجعلنى أخرج إلى القهوة أو المطاعم فقطعاً سيلتف حولي المحبون، ولا استطيع دفع الفاتورة. شعرت بالصدمة، فهذا الشاعر الكبير لا يجد من يهاتفه، وربما أحس بهذا التساؤل في ذهني، وقال: الأمر بسيط جداً: لا نقود.. ولا نفوذ.. ولا يهود.. وشرح لا نقود لأن الرئيس عرفات أوقف مخصصاته، ولا نفوذ أي لم يعد عضواً في اللجنة التنفيذية وقريباً من الرئيس مما يمكنه من حل مشاكل المحتاجين أو توظيف بعضهم، وأخيراً لا يهود.. أي أنه ليس منخرطاً في المفاوضات التي كانت على أشدها، حتى يكون في قلب الحدث الاعلامي والسياسي.
محمود درويش واجه ‘خيبات أمل’ كثيرة في حياته، ولكن أبرزها في رأيي، خيبة أمله في الشعب الفلسطيني عندما لم يثر غاضباً ضد اتفاقات اوسلو، فقد توقع هذه الغضبة، واراد ان يكون مع الشعب، لا مع الموقعين عليها، ولكن هذا الشعب فاجأه عندما رقص في معظمه طرباً، وصدق ‘أكاذيب’ قيادته بأن السلام قادم والدولة الفلسطينية المستقلة على بعد أربع سنوات فقط.
خيبة الأمل هذه اجبرته على ان يخفف من معارضته، وأجبرته ان يعود الى رام الله لانه لم يعد يستطيع العيش في باريس، وحتى لا يتهم بانه، وهو أحد المتشددين في الاصرار على حق العودة، رفض ممارسة هذا الحق عندما سنحت له الفرصة، مضافا الى ذلك ان معظم اصدقائه في تونس عادوا ولا يريد ان يتخلف عن الركب، وحرص ان يترك مسافة بينه وبين السلطة.
اما خيبة الأمل الثانية فتمثلت في رأيه بالأداء الفلسطيني، والفشل الكامل في اقامة المؤسسات والحكم النموذجي الذي كان يأمله، وفوق كل هذا انهيار المشروع الوطني الفلسطيني الذي كانت تبشر به السلطة وقادتها واتساع دائرة الفساد المالي بصورة مرعبة، وقال لي في احدى المرات ان امنيته ان يهاجر مرة اخرى الى باريس ويعيش في استديو صغير (غرفة واحدة) ويقضي بقية حياته هناك، ولكن ما يمنعه هو الخوف من الاتهام بانه يرفض الوطن، والتضحية من اجله.
محمود درويش استقال من كل مؤسسات منظمة التحرير، واعاد اصدار مجلة ‘الكرمل’، ورفض كل ضغوط الرئيس الراحل عرفات لتوزيره في حكومة السلطة، وفضل ان تكون دائرته في رام الله صغيرة جدا، محصورة في مجموعة اصدقاء، بعضهم شعراء وكتاب، واكثرهم من الناس العاديين البعيدين عن الوسط الثقافي. لانه كان يبحث عن الجلسة المرحة للهروب من ضغوط مرضه، وامراض المثقفين المستعصية، من غيرة وحسد ونميمة مثلما كان يقول.
كان يكره القيود، ولهذا لم يتزوج ثالثة، كان يكره ان تشاركه امرأة حياته، وكان يفضل دائما ان يكون سريره مملكته، كنا نلتقي بصفة دورية في باريس، وكان يحب الحديث عن النساء ومغامراته، وفي احدى المرات سألته كيف تطلق ‘فلانة’ بعد ستة اشهر وبهذه السرعة، قال لي: وهل تعتقد ان ستة اشهر فترة قصيرة، لقد طوّلت اكثر من اللازم.
محمود درويش أحب العرب جميعا، ولم يكن غريبا ان تكون اقوى قصائده في بواكيره الاولى ‘سجل انا عربي’، وكان يشعر بمودة خاصة تجاه ابناء المغرب العربي الذين بادلوه الحب بحب اسطوري، ولذلك لم يتردد في قبول دعواتهم لإلقاء اشعاره في تونس والجزائر والمغرب في فترات متقاربة.
ربما تكون المملكة العربية السعودية من الدول القليلة التي لم يزرها مطلقا، وهناك قصة غريبة وراء ذلك، فقد جاء احدهم يفاتحه قبل عشرين عاما بدعوة لحضور مهرجان الجنادرية الثقافي السنوي في وسط نجد، وعندما سئل عن الجهة المنظمة قالوا له انها ‘الحرس الوطني’، فقال وما علاقة العسكر بالثقافة، ألا توجد رابطة او نقابة او هيئة تتولى هذه المهمة غير الحرس الوطني؟ وكانت هذه الكلمات نهاية العرض.
كان مولعا بالتدخين، وبعد عمليته الجراحية الاولى التي تكللت بالنجاح، قال له الطبيب ان اول شيء يجب ان يفعله ان يتوقف عن التدخين، فقال له دعنا ‘نتفاوض’، فقال له الطبيب لا مفاوضات ولا تنازلات، فرد عليه: واذا توقفت عن التدخين ماذا سيحدث؟ فقال الطبيب: سيطول عمرك عدة سنوات، فقال له: سأستمر في التدخين، وليقصر عمري، لانه يعني تقصير شيخوختي. ولكنه اضطر للتوقف كليا بعد عمليته الثانية، وظل يجلس بالقرب من المدخنين ليستنشق ما هو محروم منه.
محمود درويش لم يعش الشيخوخة مطلقا وغادرنا وهو في قمة عطائه وعنفوانه وأناقته، وشخصيته المحببة، وتعليقاته الساخرة اللاذعة، شيء واحد لم يحققه، وهو الذي دخل قلوب وعقول الملايين، عدم حصوله على ‘جائزة نوبل’ التي ترشح لها عدة مرات في السنوات الاخيرة.
بعد محمود درويش لن يكون الشعر بالقوة نفسها او بالسحر نفسه، سيكون شعرا مختلفا، فبرحيله رحلت ظاهرة شعراء يملأون ملاعب كرة القدم بالمعجبين والمعجبات، ليس في الوطن العربي وانما في المنافي الاوروبية.
خسرته صديقا عزيزا، ورمزا من رموز هذه الأمة التي ربما لن تتكرر الا بعد قرون. محمود درويش اقول وداعا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ثقافة | السمات:ثقافة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أغسطس 12th, 2008 at 12 أغسطس 2008 9:02 ص
قف الآن محمود!
غازي القصيبي الحياة - 12/08/08//
وجدت، إذن، أن للموت رائحةً..
مثل قهوة أمك.. تغسل من بركة الشعر
في الروح.. أوضار ذاك المكانْ
وجدت، إذن، في سرير الغريبة..
وصل الأمانْ
سكتَّ، إذن، بعد أن نزفت كلماتك..
وهي تعالج قفل القلوب التي صدئت.. والقلوب
التي تنتشي بالهوانْ
إذن، أنت تركض خلف الفراشة طفلاً..
تجوب الترابَ.. وترجع غض الرجولة..
تمنح فجر فلسطين لون الشقائق..
ترجع ممتشقاً سيف شعرك..
زهوَ الحصان!
* * *
قف الآن محمود! نشهد بأنك ما خنت
دارك… والبعض خانْ
ونشهد بأنك كنت تحارب حتى
النهاية… والغير خانْ
ونشهد بأنك قدمت قلبك في
مذبح الشعر… والكل خانْ
وشاعرنا كنت…
أشجعنا كنت…
أصدقنا كنت…
ما قلت إن الهزيمة عرسٌ..
وما قلت إن الفناء حياةٌ..
وما قلت إن ارتشاف القذى عنفوانْ
قف الآن محمود! لا بد من كِلْمَةٍ في الوداع..
تقول لأمك إن فتاها البهيّ الوسيم.. غدا
الآن طفل الزمانْ
قف الآن محمود! وانظر تر الورد ينبت
من كلماتك يصبغ قبرك..
ترب فلسطين..
ترب العروبة..
بالأرجوان
أغسطس 12th, 2008 at 12 أغسطس 2008 9:11 ص
محبّو درويش ينعونه في حضرة الغياب
الاثنين, 11 أوت/أغسطس 2008 10:26
رشا عبدالله سلامة
وكأنما ظَلّ الشتات قدره منذ هُجّر من قريته الوادعة “البروة” حتى لفّ الغياب روحه في غياهب هيوستن الأميركية.. وما بين المحطتين، كانت رحلته التي تلقّفها التهجير واللجوء تارة، والإبعاد والاعتقال تارة أخرى.. فيما بقيت الثورة والحب والألم والأمل أهم مفرداتها وملامحها.
ليلة أول من أمس، تأبط محبّو درويش أطياف صورته التي حفظوها في آخر حفل توقيع ديوان له في عمّان.. بتلك الملابس السوداء، وتلك الصحة المتعبة التي لم تمهل قلب شاعرهم حتى يوقّع كتاباً آخر بعد “أثر الفراشة”..
تأبطوا دواوينه التي صارت “في حضرة الغياب”، معاتبين إياه بقول “لماذا تركت الحصان وحيداً؟”. وموصيين ياه ب “لا تعتذر عمّا فعلت”، ومدندنين في ظلمة ليل واقعهم “عاشق من فلسطين” و”كزهر اللوز أو أبعد”،
ومستحضرين الموت على صدى أبياته “العصافير تموت في الجليل”.
“منذ وعيت على الدنيا وأنا أرى دموع أمي تنهمر بمجرد سماع شعر ذلك الرجل.. ظل الشوق يحذوني حتى كبرت وأعدت نفس شريط الذكريات، إذ أبكي كلما سمعت شعراً له تماماً كما أمي”، تقول مرام يوسف (26 عاماً).
تدمع بينما تكمل “لا يملك درويش كاريزما عالية فحسب، بل هو يذوّبك عشقاً في شعره الذي يصهر فيه كالساحر الثورة بالحب بالغضب بالنقد بالمديح بالمصارحة”.
والدة مرام تنعى درويش هي الأخرى، بينما دموعها تملأ مقلتيها كما صوتها بعد سويعات من سماع خبر وفاته.. تتساءل “كيف لا نحزن على محمود وهو واحد منا؟ عاش ما عشناه جميعاً من نكبة وتهجير ونكسة ولجوء وإحباطات متتالية؟”.
تكمل بينما ترمقه بألم على شاشة التلفاز “رموز القضية هؤلاء يكتسبون أهمية خاصة، إذ هم شهود العيان الذين خلدوا بداية مأساتنا شعراً ونثراً ورسماً.. غيابهم يعني الكثير.. ناجي العلي، غسان كنفاني، إسماعيل شموط وغيرهم كثر.. ليس آخرهم بكل تأكيد درويش”.
من دموع مرام ووالدتها إلى ذكريات العشريني نادر محسن في توقيع “أثر الفراشة” الذي كان الحفل الأخير لدرويش، يقول بينما ترتسم على محياه ابتسامة رغم صدمته بخبر الوفاة “لقد خضت مشاجرة حامية في حفله الأخير. كان هنالك ازدحام شديد، بيد أنني لم أستطع سماع صوته وهو يقرأ الشعر من غير أن أخترق الصفوف كلها كي أراه وجهاً لوجه. إنه يعني لي الكثير.. أكثر مما تتخيلين”.
تطل مسحة الحزن على ملامح نادر، بينما يُخرج “موبايله” لرؤية تلك اللقطات التي سجلها لدرويش بعد أن تمكن من الوصول إليه يومها.. يقول بعد أن كرر تلك اللقطات مراراً “محمود درويش ما بموت..”
على الصعيد الآخر، يقول علاء محمد (47 عاماً) “من فرط إعجابي بشعر درويش كنت أتجنب مقابلته وجهاً لوجه رغم أن الفرصة كانت سانحة مراراً، إلا أنني وددت أن تبقى صورته كما هي في خيالي.. فليس درويش من أحتمل خدشاً في شاعريته”.
ذات الأمر يشير إليه الأكاديمي الخمسيني الذي فضل عدم ذكر اسمه، إذ يقول “رغم تحفظي على محمود درويش كشخصية، إلا أنه ليس بوسعي إلا الاعتراف بموهبته الشعرية الفذة.. محمود استطاع برغم قسوة قلبه التي يتحدث عنها مقربون منه استطاع أن يجمع بينها وبين رهافة الحس الشعري والوطني”.
تستشيط ربا سلامة (32 عاماً) غضباً عندما تسمع عن درويش تلك الكلمات، قائلة “كلما كان يستعرّ الجدل حول درويش وشعره كنت أتعلق برمزيته أكثر فأكثر.. شيء وحيد لا يمكن لأحبّاء وأعداء درويش الاختلاف عليه: حبه وهوسه بفلسطين ذاتها بغض النظر عن منهج النضال الذي يرتأيه ملائماً للمرحلة”.
تكمل بلوعة “لا عجب من قلب درويش إذا أُنهِك.. إذ كان مطلوباً من هذا القلب الرؤوم احتمال آلام الذكريات الفلسطينية العصبية من تقتيل وتهجير ولجوء ونكسات ونكبات.. إلى جانب احتمال الواقع اليومي الأشد قساوة.. يكفيه رؤية الاقتتال الفلسطيني - الفلسطيني. هذا الأمر لوحده كفيل بتدمير كل الصورة الشاعرية التي رسمها لنفسه ولنا عن الوطن”.
بنبرة الفجيعة تزيد “بل إني أعجب من قلبه كيف احتمل كل تلك الآلام التي عايشها لحظة بلحظة.. سبعة وستون عاماً من الجرح المتواصل وقلبه ينزف”.
تجهش ربا في بكاء مرير بينما تقول “كلما هاجت بي الأشواق لبلادي التي لم أرها كنت أستحضر صورة المخيمات الفلسطينية، بينما أستمع لشعر درويش الذي كان يحلق بي هناك على جبال حيفا والكرمل”…
بصوت يتهدج ألماً وبكاء.. تستذكر ربا كيف كانت تتيه فخراً كلما سمعت قصيدة “أيها المارّون”، التي عُقدت على إثرها جلسة طارئة في الكنيست الإسرائيلي لمناقشة آثارها، ما دفع جولدا مائير للتصريح مراراً بأن شعره يسبب لها الغضب.
تدمع ربا مجدداً بينما تترنم بأبيات “أيها المارّون” التي تحفظها عن ظهر قلب، وتحملها ك “أيقونة” في قلبها أينما حلت:
“أيها المارون بين الكلمات العابرة”
احملوا أسماءكم وانصرفوا
واسرقوا ما شئتم من زرقة البحر ورمل الذاكرة
وخذوا ما شئتم من صورة كي تعرفوا
أنكم لن تعرفوا
كيف يبني حجر من أرضنا سقف السماء
أيها المارون بين الكلمات العابرة
منكم السيف.. ومنا دمنا
منكم الفولاذ والنار.. ومنا لحمنا
منكم دبابة أخرى.. ومنا حجر
منكم قنبلة الغاز.. ومنا المطر
وعلينا ما عليكم من سماء وهواء
فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا
وادخلوا حفل عشاء راقص.. وانصرفوا
وعلينا، نحن، أن نحرس ورد الشهداء
وعلينا، نحن، أن نحيا نحن كما نشاء”.”
أغسطس 18th, 2008 at 18 أغسطس 2008 7:13 ص
فراشة الشعر
محمود درويش ابجدية لا تليق الا بالشعراء.
ميدل ايست اونلاين
بقلم: الدكتور عبد الستار البدراني
بيارة برتقال تجمع القبّرات
عند الخليل..
واخرى تفتح بوابة الحزن
في برزخ النوم الثقيل..
تتقاسم مقبرة في غزة مواجدها
وتلطخ وجه العشيات بموت الدليل..
من منا يا صوت البرية
يفتح حلما بين دمع اللغة
وكوارث التاويل؟
عذرا، فعصافيرك غادرت اعشاشها
بين حقول يافا وتلال الجليل..
تعلم ان حدقاتها مثقوبة
وكراريسك هي البديل..
والبنادق تنكر رصاصها
والشظايا في جسد الذكريات
ورد ونخيل..
محمود بعدك الشعر حرف عتيق
وثمالة قنديل..
حدق في دمانا،
علمنا كيف نتناسل في الارض
جيلا بعد جيل..
يا آخر عشاق الكون
وحدك تختلج في رحم الارض
وتنتظر المستحيل.
الدكتور عبد الستار البدراني
الموصل (العراق)