القصة الكاملة لوفاة بومدين... الشهادات والوقائع (4-4)
ذاكرة "الحسن" الثاني وشهادة "طلاس"... وذكريات كاتب
2008.07.26
خالد عمر بن ققه
الراحل الزعيم: محمد بوخروبة
انتهينا في الحلقة السابقة إلى ذكر آخر رسالة بعث بها الرئيس الراحل هواري بومدين إلى الملك المغربي الحسن الثاني، يرحمهما الله، ويأتي ذكرها من منطلق الحديث الذي دار في بعض وسائل الإعلام.
-
* أخبار الاغتيال بالسم بين دمشق والقاهرة والجزائر
-
* دور "ع"بد الله ركيبي" "في البحث عن الحقيقة
-
* استنفار في بغداد... وترحيب في الكويت
-
-
وتركز على افتراض أن للمغرب دوراً في تصفية بومدين، وقد زاد من ذلك أن وكالات الأنباء العالمية أشارت في 30 ديسمبر 1978 ضمن تقاريرها الصحفية الواردة من الجزائر، ومنها »أن السلطات الجزائرية رحبت في البداية بمشاركة المغرب في تشييع جنازة بومدين، ثم أعلنت بعد ذلك أن زيارة المغرب غير مرغوب فيها، وأوضحت أن علاقات البلدين المتوترة بالفعل بسبب النزاع على الصحراء الغربية منذ أربع سنوات، زادت سوءاً حين أعلنت الجزائر أن المغرب سيوفد إلى الجنازة »محمد البصري« أحد زعماء المعارضة اليسارية الذي صدر حكم غيابي بإعدامه لاشتراكه في مؤامرة ضد الملك...«.
-
وكما نلاحظ فإن صياغة البرقية متضاربة في فقراتها إلى حدٍ بعيد، بحيث لا يمكن معرفة رفض الجزائر أهو بسبب موقف خاص تجاه المغرب أم لأن المملكة المغربية رفضت أن يمثلها محمد البصري على اعتبار أنه معارض؟
-
-
الموفد والتحذير
-
وبعيدا عن البرقية فإنه لا يوجد ما يؤكد مشاركة المغرب في جريمة اغتيال بومدين ـ إن صحت المعلومات ـ إلا إذا أخذنا في عين الاعتبار ما قاله موفد الملك الحسن الثاني للرئيس بومدين قبل مرضه بشهور حين قابله في الجزائر: سيادة الرئيس يقول لك مولاي أننا إذا لم نلتق في مطلع العام القادم... فإننا لن نلتقي أبداً.
-
لقد قُرئت عبارات الموفد السابقة من جهاتٍ متعددة، وذهبت الصحفية المصرية »فايزة سعد« إلى اعتبارها رسالة تحذير من ملك المغرب لبومدين، غير أن مثل هذا التأويل يفنده ما جاء على لسان الملك الحسن الثاني في كتابه »ذاكرة ملك« الذي نُشر حلقاتٍ في صحيفة »الشرق الأوسط« والذي كان عبارة عن حوارات أجراها الصحافي الفرنسي »إيريك لوران«، حيث يذكر علاقته منذ وصول بومدين إلى الحكم إلى غاية وفاته بإجابات مختصرة حيث يقول:
-
- لم أكن أعرف بومدين ولا بوتفليقة وزير خارجيته الذي كان هو الآخر في وجدة، حتى أن بومدين قال لي يوماً: أظن أنني أعرف الدار البيضاء والطريق المؤدي منها إلى وجدة أحسن منك.
-
يضيف الملك الحسن الثاني معلقاً على كلام بومدين السابق:
-
- لا شك في ذلك.
-
-
مودة ""الحسن الثاني" "وألغاز بومدين
-
وحين سأله لوران عن متى تم لقاءه ببومدين بعد وصول الحكم قال الملك:
-
- لا أذكر تاريخ اللقاء بالضبط، لكني وجدته رجلاً صعب المراس نوعاً ما ويعسر فهمه، أقول هذا بعد مرور كل هذا الوقت، لقد كان متحفظاً جداً، حذراً منطوياً على نفسه قليل الانشراح، ومع مرور الأعوام قامت بيننا مودة وصداقة وتبادلنا النكت واللعب »بالكلمات«، كان شخصا تثير نوعية مزاجه الاهتمام، ويفرض دوما على مخاطبه جهدا لفك ألغاز كلامه وهذا أمر متعب مع مرور الوقت، وإلى أن قام مشكل الصحراء، لم أكن أعتقد أنني أتعامل مع رجل مزدوج الشخصية، واستمر ذلك إلى أن رأيت بومديناً آخر يخرج من قمقمه. لقدا بدا في صورة مغايرة، إن بومدين كان يسعى لفرض هيمنته على المنطقة.
-
وعن سؤاله عن نظرة بومدين للعلاقات الجزائرية ـ المغربية، أجاب الملك:
-
- كانت نظرة واقعية تماما، كان يقول لي باستمرار: أريد مغربا مستقرا مزدهرا، إلا أنه كان يتجاهل أن يزيد على ذلك قوله: شريطة ألا يزاحم الجزائر.
-
يضيف الملك الحسن الثاني معلقا على قول بومدين:
-
- لم أكن أسعى إلى مزاحمة الجزائر، ولكنني لم أكن أقبل أن تزاحمني. إنني أريد أن يقوم بيننا تعاون، خصوصا جنوب المغرب والجزائر.
-
-
الزعيمان ورقعة الشطرنج والفراغ
-
أقوال الملك السابقة يمكن اعتبارها مدخلا واعيا لما سيأتي لاحقاً، حين يجيب عن سؤال لوران: كيف كان شعوركم عند وفاته؟
-
يقول الملك الحسن الثاني:
-
- قلت لبعض المقربين عقب موته: كنا نتعارك كثيراً وتبارزنا وتسابقنا للتفوق على رقعة الشطرنج، حتى إننا مع وجود الفارق كدنا نشبه الثنائي الذي شكله في الماضي »شارل كونت« و»فرونسوا« الأول، ثم قلت: سبحان الله، إن الأول الذي توفي خلق فراغا لدى الآخر... إنني أحسست بفراغ بعد موت بومدين لأن كلانا اعتاد أن ينظر إلى الآخر ويقول مجاملا: »مرحى، لقد سجلت هدفاً عليّ، ومع ذلك كادت الأمور تتطور إلى ما لا تحمد عقباه، وقد أسر للبعض: لو كنت أعرف أن المغرب كان سيصمد هذه السنين الثلاث في الصحراء ما كنت لأغامر في هذه القضية، ولو قدر له أن عاش اليوم لرأى أن المغرب صمد لمدة ست عشرة سنة.
-
شهادة الملك السابقة تتناقض في آخر مقطع منها، والخاص بقضية الصحراء، مع ما جاء في رسالة بومدين الأخيرة التي بعثها للملك والتي أوردناها كاملة في الحلقة السابقة، لكن الذي يهمنا هنا أنه لا يمكن التعويل على التأويلات لاتهام المغرب مثلا باغتيال بومدين، خصوصا بعد أن أعلن صراحة وزير الدفاع السوري الأسبق العميد الأول »مصطفى طلاس« بأن الرئيس العراقي »صدام حسين« هو الذي اغتال بومدين بسم الثاليوم.
-
-
... بين""حمودة" "و""ركيبي""
-
كانت السنوات تمر ثقيلة علي في القاهرة رغم النشاط المكثف، حتى إذا ما حلت نهاية سنة خمسٍ وتسعين، وحين قارب موعد الذكرى السابعة عشرة من وفاة بومدين، تغيرت حركة الحياة لديّ وخرجت من رتابتها، ففي 25 ديسمبر 1995 نشرت مجلة »روز اليوسف« في عددها 3524 حواراً أجراه الصحافي »عادل حمودة« ـ نائب رئيس تحرير المجلة ـ مع وزير الدفاع السوري العماد الأول »مصطفى طلاس«، وقد ذكر هذا الأخير ضمن سياق عام للحوار ما يلي:
-
".".الحقيقة أن صدام حسين نحر الفكر القومي، وأكثر من ذلك وضع السم للرئيس بومدين بعد أن هدده بكشف خبايا اتفاق الجزائر..."."
-
اتصلت بالأستاذ »عادل حمودة« لمعرفة التفاصيل، فلم أجد لديه ما يسمن أو يغني من جوع، وبدأت في إجراء اتصالاتٍ لترتيب حوار مع وزير الدفاع السوري.
-
بعدها بأيامٍ اتصلت بسفير الجزائر في سوريا »عبدالله ركيبي« الذي بذل جهودا كبيرة لإجراء الحوار، وحدد لي موعداً دافعاً لي للأمام من أجل الوصول إلى الحقيقة، وفي جلسة طويلة معه على مأدبة غداء في بيته أبصرني بضرورة تناول الموضوع من جميع زواياه، ويجب التذكير هنا أن الأديب والدبلوماسي »ركيبي« يتمتع بعلاقات واسعة هناك، ليس على المستوى الدبلوماسي فحسب، وإنما على المستوى الثقافي أيضا، ويحظى باحترام كبير من النخب المختلفة.
-
-
سم الثاليوم
-
المهم، التقيت بالعماد الأول مصطفى طلاس في وزارة الدفاع، وبما أن الوقت لم يكن كافياً فقد فضل أن يجرى الحوار في بيته، وهناك التقاني لمدة فاقت الساعة والنصف، وكانت أسئلتي اس
كتبها عبد الرؤوف في 08:38 صباحاً ::
لا يوجد تعليق
الاسم: عبد الرؤوف
