السفاح كراديتش.. من سربرنيتشا إلى لاهاي
ترجمة/ محمد بدوي
رادوفان كراديتش عمل طبيبًا نفسيًّا قبل أن ينخرط في السياسة والحروب، ويصف نفسه بأنه فيلسوف، وشاعر، ورجل دولة، وأنه المدافع البطولي عن الشعب الصربي. لكن محكمة العدل الدولية والشعب البوسني ، اللذين يسعيان إلى إقامة العدل، يصفانه بأنه "سفاح سراييفو"، وبأنه طاغية ومجرم حرب، كما يُحَمِّلانه مسئولية حصار سراييفو الذي استمر 43 شهرا (3 سنوات و9 شهور)، ويعتبر أطول حصارٍ فُرِض على مدينة أوروبية في القرن العشرين، وأسفر عن مقتل نحو عشرة آلاف مسلم مدني.
كما كان كراديتش المسئول الأول عن أبشع مجزرة شهدتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، وراح ضَحِيَّتَها نحو ثمانية آلاف مسلم في سربرنيتشا شرق البوسنة في يوليو 1995، في جريمة "تطهير عرقي" يصفها الأوروبيون بأنها أسوأ من جرائم النازية.
في حماية ميلوسيفيتش
وُلِد كراديتش في 19 يونيو عام 1945 في قرية بيتنيتسا في الجبل الأسود، وأمضى طفولته في نيكسيتش، بالقرب من الحدود مع البوسنة، وكان يهوى منذ بداية شبابه الموسيقى والشعر.
سُجِن والده- الذي ورث عنه نزعته القومية المتطرفة- بتهمة المشاركة في حركة 'التشيتنيك' التي حاربت النازية وأنصار (تيتو) الشيوعيين أثناء الحرب العالمية الثانية، ولم ينخرط كراديتش في السياسة إلا عام 1990 مُقْتَفِيًا أثر مرشده "سلوبودان ميلوسوفيتش" رئيس يوغسلافيا السابق.
وبعد سقوط جدار برلين، وصلت رياح التغيير إلى يوغسلافيا التي تفككتْ مع إعلان كلٍّ من جمهورياتها الست استقلالها عام 1991. في ذلك الوقت؛ خطط كراديتش مع ميلوسوفيتش لإلحاق مناطق كرواتيا والبوسنة، ذات الأغلبية المسلمة، بصربيا، وقام هو والجنرال راتكو ملاديتش بـ "تطهير" البوسنة من غير الصرب، مما أرغم أكثر من مليون شخص على الفرار من قُراهم، فيما تسبب في مقتل مائتي ألف شخص خلال العدوان.
"الجحيم"
قام كراديتش في هذا الحقبة، وبمساعدةٍ من الجنرال راتكو ملاديتش - قائد قوات صرب البوسنة سابقا، والمتهم بارتكاب جرائم حرب في البوسنة، والذي لا يزال هاربًا من العدالة - وبدعمٍ من الحزب الديمقراطي الصربي، بإنشاء "جمهورية" صِرْب البوسنة، ونصب نفسه رئيسًا لها بعد ما جعل عاصمتها "بالي" قرب سراييفو.
وفي عام 1992، وبمساعدة من الشرطة اليوغوسلافية، وبدعمٍ من الجيش في بلجراد، حذّر كراديتش جمهورية البوسنة من إعلان الاستقلال، وأعلن أن "الجحيم" سيفتح أبوابه على البوسنة إذا مضت في هذا الاتجاه، وهدّد بأن سكانها المسلمين يمكن أن "يختفوا" لأنهم "لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم إذا نشبت الحرب".
ولمدة ثلاث سنوات من 1992 إلى 1995، ووسط رَفْضٍ من المجتمع الدولي، أخذ كارديتش ينفذ تهديداته بفتح أبواب الجحيم على أهالي البوسنة العُزَّل، واستولت قواته سريعا على 70 ٪ من البوسنة، وقاموا بطرد وقتل المسلمين الذين يُمَثِّلون الأغلبية في كثير من المدن، ويعتقد المراقبون أن ضحايا العدوان الصربي وصلوا إلى 200.000 شهيد مسلم، ومليون لاجئ.
"نذالة" ميلوسيفيتش
ولكنّ تتابع هذه المذابح، وخاصة مذبحة سربرينتشا والتي أعادت للأذهان معسكرات الاعتقال النازية، وضع كراديتش في صيف عام 1995 أمام قوات الأمم المتحدة، وبموجب اتفاق دايتون في نهاية 1995 حصل كراديتش على "جمهوريته" صربسكا - الكيان الصربي في البوسنة - في حين أن حصة الكروات والمسلمين كانت النصف الآخر من البلاد، والذي عُرِف بالاتحاد الكرواتي المسلم.
وبعد ذلك قام سلوبودان ميلوسيفيتش بإبعاد كراديتش من باب حِرْصِه على رفع العقوبات الغربية ضد يوغوسلافيا، وحظر عليه الظهورَ علنًا، فقرر كراديتش التواري عن الأنظار، ووجد نفسه مَعْزُولًا يوما بعد يوم.
ولكن في يوليو 1996، حين تم اتهام كارادزيتش من قِبَلِ المحكمة الدولية ليوغوسلافيا السابقة ، تعامَل ميلوسيفيتش مع كراديتش بـ"نذالةٍ" أكثر ومنعه من الظهور تماما في الأماكن العامة.
ينشر كتابا من مخبئه
ثم دخل كراديتش إلى مخبئه منتقلا إلى عالم تحوطه السرية والغموض لأكثر من 12 سنة، مستعينا بشبكةٍ قويةٍ من أتباعه القوميين المتطرفين، كما قيل إنه حظي بحماية من الشرطة، وأنه كان يختبأ أحيانا في الأديرة الأرثوذكسية الصربية.
وساهم إخفاق حلف شمال الأطلسي في القبض عليه، في نسج أسطورةٍ حوله بأنه لا يمكن الإمساك به، إلى أن أعلنت الإدارة الأمريكية عن مكافأة قدرها خمسة ملايين دولار مقابل أي معلومات يمكن أن تقود إلى القبض عليه. ونشر في أكتوبر 2004 كتابًا تضمّن قصةَ حياته بواسطة عددٍ من أتباعه، بيع منه 1200 نسخة في معرض الكتاب في بلجراد.
وفي 21 يوليو 2008 تم القبض على كراديتش بعد حوالي 12 سنة قضاها مختبئًا وهاربًا من العدالة، بواسطة الأجهزة الأمنية للحكومة الصربية الجديدة الموالية لأوروبا، والتي تأمل في أن يعمل اعتقاله وتسليمه لمحكمة جرائم الحرب في لاهاي على تسريع المفاوضات من أجل انضمام صربيا إلى الاتحاد الأوروبي، حيث كان يحول كراديتش دون ذلك.
كتبها عبد الرؤوف في 08:03 صباحاً ::
الاسم: عبد الرؤوف
